حين تتحول لجان التحقيق إلى لغة الإدارة هل يُراد تنظيم العمل أم إسكات الصوت
لم يكن خبر إحالة الزميل غمدان أبواصبع إلى التحقيق خبرًا عابرًا يمكن تجاوزه بسهولة.
في اللحظة الأولى، ظننت كما يظن أي متابع – أننا أمام قضية كبيرة تستدعي هذا الإجراء: تجاوز مالي، تسريب حساس، أو مخالفة قانونية واضحة.
لكن ما تكشّف لاحقًا لم يكن بحجم التوقع بل كان كفيلًا بطرح تساؤلات أكبرالقصة لم تبدأ هنا.
قبل غمدان، كانت هناك أسماء أخرى: عبد فضائل، أبو أنيس، الريمي، الحازبي سلسلة تتسع، ومشهد يتكرر، حتى لم يعد الأمر متعلقًا بحالة فردية، بل بنمط آخذ في الترسخ.
وهنا يتغير السؤال:لماذا كل هذه التحقيقات ولماذا الآن
على امتداد سنوات العمل داخل مكتب رئاسة الجمهورية من عهد علي الأنسي إلى عبدالله العليمي لم تكن لجان التحقيق أداة شائعة في إدارة الخلافات.
كان الاختلاف يُدار بهدوء، والتباين يُحتوى بعقلانية، دون أن يتحول إلى مسار عقابي يطغى على المشهد.
أما اليوم، وتحت إدارة الدكتور يحيى الشعيبي، يبدو أن ثمة تحوّلًا واضحًا في الأسلوب.
لم تعد لجان التحقيق استثناءً يُلجأ إليه عند الضرورة، بل أصبحت في نظر كثيرين الخيار الأول.
ولم يعد الاستدعاء إجراءً تنظيميًا بقدر ما بات يُفهم كإشارة إنذار.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
هل يعكس هذا النهج قناعة مباشرة لدى الدكتور الشعيبي؟
أم أن اسمه يُستدعى لتبرير ممارسات قد لا تعبّر بالضرورة عن رؤيته الحقيقية؟
الأمر الأكثر حساسية، أن استمرار هذه المقاربة قد يخلق انطباعًا مقلقًا:
أن التحقيق لم يعد وسيلة لكشف الحقيقة، بل أداة للضغط.
وأن المساءلة لم تعد مرتبطة بمخالفات واضحة، بل قد تلوّح في وجه كل من يطالب بحقه أو يسعى إلى الإنصاف.
وفي ظل هذا المناخ، يطفو على السطح حديث آخر لا يقل دلالة:
إفراغ تدريجي للمكتب من كوادره، يقابله صعود فريق غامض الملامح، وُصف على نحو لافت بـ"فريق السرداب
وهنا تتسع دائرة التساؤل:
هل نحن أمام إعادة تشكيل هادئة للمؤسسة؟
أم أمام إدارة تُفضّل الإقصاء الصامت على المواجهة الواضحة؟
الفارق ليس بسيطًا.
هناك فرق جوهري بين إدارة تحمي النظام وتعزّز الثقة، وإدارة تُدار بها المؤسسات تحت وطأة الخشية.
وبين بيئة عمل تُبنى على الكفاءة، وأخرى تُعاد صياغتها بمنطق الرهبة.
ما يحتاجه المكتب اليوم ليس المزيد من لجان التحقيق،
بل قدر أكبر من الشفافية،
ومساحة أوسع للحوار،
وإرادة حقيقية لاحتواء الاختلاف قبل أن يتحول إلى أزمة ثقة يصعب ترميمها.
لأن المؤسسات لا تُقاس بقدرتها على إسكات الأصوات،
بل بقدرتها على الاستماع إليها.