عبد الحسين شعبان: "نوارس" النجف حين تُحلق في فضاءات العالم والحرية

عبد الحسين شعبان: "نوارس" النجف حين تُحلق في فضاءات العالم والحرية
مشاركة الخبر:

لم تكن لي معرفة وثيقة بالاستاذ الكبير والمفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان من قبل  عدا ما كان اسمه يتردد في منتصف عقد السبعينات من القرن المنصرم وخلال الحراك  بين المنظمات الطلابية اليسارية والقومية في العراق ثم في مطلع التسعينات ايضا تكرر ذكر اسمه امامي من زميل  فلسطيني لي في الدراسات العليا بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية ويشيد باخلاقه وانفتاحه ودعمه للنشاطات المناصرة للقضية الفلسطينية في براغ عاصمة جمهورية التشيك حيث كان يتلقى علومه في جامعاتها. 
وعلى الرغم وبعد التثبت من مصدر موثوق ان  بيننا اصرة دم مشتركة تجمع  قبيلتنا الدليم وعشيرة شعبان( ال فتلة العربية الكرام ) لكن الأهم من هذا هو عندما عرفته من خلال كتاباته وافكاره وانفتاحه وانسانيته  ومشاعره الجياشة نحو الصداقة والوفاء ومد الجسور مع الجميع.
من أزقة النجف العتيقة، حيث عبق التاريخ يمتزج بصرامة المنطق، ومن صرير أبواب مدارسها التي تخرج منها الأحرار، انطلق الدكتور عبد الحسين شعبان ،فلم يكن مجرد كاتب أو أكاديمي، بل كان "مشروعاً حضارياً" يمشي على قدمين، حاملاً معه إرث العراق العظيم وتطلعات اليسار الإنساني الذي لا يعرف الجمود.
كان منهجه عقلٌ يرفض القوالب الجامدة والاحكام المسبقة عن الاشخاص والمواقف المتعارضة.
يتميز منهج شعبان بأنه "يسارٌ منفتح"؛ يسارٌ لا يرى في الأيديولوجيا قيداً، بل نافذة استطاع بذكاء الفيلسوف وعاطفة ابن النجف أن يزاوج بين الفكر الماركسي ببعده الإنساني وبين الموروث العربي الإسلامي، مقدماً رؤية نقدية تجدد الثابت وتحرك الساكن. منهجه هو "التسامح" في أسمى صوره، ليس كشعار، بل كآلية تفكير ترفض الإقصاء وتؤمن بأن الحقيقة موزعة بين البشر.

في كتاباته الأدبية حين تطوع  لغته الفكر لا يكتب عبد الحسين شعبان بمداد الحبر، بل بنبض الذاكرة. تجده في مؤلفاته ينسج من الحكاية الشعبية والقصيدة السياسية والبورتريه الإنساني لوحاتٍ تنبض بالحياة فحضوره الأدبي ليس ترفاً، بل هو "أدب المقاومة الفكرية" الذي يسعى من خلاله لتجميل قبح الواقع، وبناء جسور من الكلمات تعبر عليها الأجيال نحو ضفة التنوير.
ان نطاق حقوق الإنسان هو  البوصلة التي لا تخطئ
متى ذكرت حقوق الإنسان في الفضاء العربي، كان اسم "شعبان" في الطليعة. لم يتعامل مع هذا الملف كقوانين جافة، بل كعقيدة وجودية خاض معارك شرسة من أجل كرامة الفرد، منافحاً عن حق الاختلاف، ومؤسساً لثقافة "المواطنة" التي تذوب فيها الفوارق الطائفية والعرقية. كان ولا يزال صوتاً لمن لا صوت لهم، ومحامياً بارعاً في محكمة القيم الإنسانية الكبرى.
تاريخه الوطني لمسات من وفاء ونبل ، ليس مجرد محطات نضالية في المنافي أو السجون، بل هو سجل حافل بالوفاء لرفاق الدرب وللوطن الجريح. يتجلى البعد الإنساني في شخصيته عندما يكتب عن "أصدقائه" الراحلين أو عندما يستذكر "نجفه" التي تسكنه أينما حل. هو ابن العراق الذي لم تلوث الغربة نقاء انتماءاته، ظل يدافع عن وحدة نسيجه الاجتماعي بقلب المحب وعقل الحكيم.

الدكتور عبد الحسين شعبان هو ذاك "المثقف العضوي" الذي نحتاجه اليوم؛ فهو يجمع بين صلابة الموقف ورقة الوجدان، وبين بريق العالمية وأصالة الجذور النجفية. إنه منجز عراقي بامتياز، ومنارة حضارية تضيء دروب الحرية والجمال في عالم يفتقر إليهما.

* كاتب واكاديمي من العراق