رهان الفيتو الدولي، وأمن الخليج العربي بين مضيق هرمز و اليمن

منذ 47 دقيقة
مشاركة الخبر:

ما يجري هذه الأيام في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك لم يعد مجرد نقاش دبلوماسي حول مشروع قرار يتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز تحت الفصل السابع، بل يكشف بصورة أعمق تحولات بنيوية في طبيعة النظام الدولي و مجلس الأمن الدولي، و حدود فعاليته عندما تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع أمن الدول الإقليمية، و يكشف كذلك حجم المأزق الاستراتيجي الذي تواجهه دول الخليج العربي عندما تصبح شرايين اقتصادها رهينة لممر بحري ضيق يمكن تهديده في أي لحظة وخاصة من قبل ايران او اذرعها في المنطقة .
المؤتمر الصحفي الذي عقده مندوبو كلا من  البحرين، والولايات المتحدة، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، والمملكة العربية السعودية، ونائب مندوب الكويت في مقر الأمم المتحدة حمل رسائل قانونية وسياسية واضحة، مفادها أن ما يجري في مضيق هرمز يمثل تهديدًا مباشرًا لحرية الملاحة الدولية، وأن الممر وفق اتفاقية قانون البحار والمعاهدات الدولية يعد ممرًا دوليًا لا يخضع لسيادة منفردة لأي دولة مطلة عليه، ولا يجوز فرض رسوم أو قيود على السفن العابرة فيه.
غير أن ما يجري خلف الأبواب المغلقة داخل مجلس الأمن الدولي يكشف أزمة أكبر من مجرد خلاف قانوني، إذ تشير المعطيات إلى اتجاه روسيا والصين نحو استخدام حق النقض ضد أي مشروع قرار أمريكي ـ خليجي إذا تضمن صيغة صارمة تحت الفصل السابع وكما حدث سابقا في ٧ ابريل ضد مشروع قرار تقدمت به مملكة البحرين الشقيقة، وهو ما يعكس مجددًا عجز مجلس الأمن عن التحرك حين ترتبط الأزمة بحلفاء القوى الكبرى ومن يمتلكون حق الفيتو في مجلس الأمن.
هذه ليست المرة الأولى التي يتحول فيها المجلس إلى ساحة صراع بين الأقطاب الكبرى، فقد حدث ذلك في ملفات سوريا، وأوكرانيا، والسودان و اليمن و غيرها، لكنه اليوم يمتد إلى قلب أمن الطاقة العالمي.
حيث تدرك الصين أن استقرار إمدادات الطاقة من الخليج العربي حيوي لاقتصادها، لكنها في الوقت ذاته لا تريد خسارة شراكتها الاستراتيجية مع إيران ونفطها الرخيص، خاصة بعد اتفاقية التعاون الممتدة لخمسة وعشرين عامًا بين البلدين، بينما تنظر روسيا إلى الأزمة من زاوية استنزاف النفوذ الأمريكي وإرباك حلفائه الخليجيين وعودة النفط الروسي الى الأسواق العالمية.
و هذا يعني عمليًا أن دول الخليج العربي تجد نفسها رهينة ليس فقط للتهديد الإيراني، بل أيضًا رهينة للتنافس الدولي بين القوى الكبرى.
و الأخطر من ذلك أن الأزمة الحالية كشفت نقاط الهشاشة  للنموذج الاقتصادي الخليجي المتطور و المعتمد على ممر مضيق هرمز، إذ يمر ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية و ربع الغاز العالمي عبر هذا المضيق، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على الأسواق العالمية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد بما فيها الاسمدة و البيتروكيماويات و غيرها من سلاسل الإمداد الغذائي.
ورغم نجاح المملكة العربية السعودية في تطوير خط الأنابيب الشرقي الغربي نحو ميناء ينبع على البحر الأحمر والذي يمكن ان يهدد من قبل الميليشيات الحوثية وكذلك استهداف  مضيق باب المندب من قبل هذه المليشيات، وكذلك نجاح الإمارات العربية المتحدة في تعزيز دور ميناء الفجيرة عبر خط حبشان-الفجيرة كمخرج بديل جزئي يتجاوز معضلة مضيق هرمز ولكن قدرته التصديرية صغيرة مقارنة بشرق غرب السعودي الذي يصدر سبعة مليون برميل نفط يوميًا، فإن هذه البدائل لا تزال غير كافية إذا تحول التهديد إلى نمط دائم.
وهنا تبرز اليمن باعتبارها أحد أهم الحلول الجيوسياسية طويلة المدى، فالساحل اليمني الممتد على بحر العرب وخليج عدن يمنح الخليج العربي منفذًا استراتيجيًا بديلًا بعيدًا عن ضغوط مضيق هرمز و باتجاه المحيط الهندي نحو دول الاستهلاك الكبرى في القارة الآسيوية.
إن إنشاء ممرات أنابيب نفط و غاز  مستقبلية عبر شرق اليمن نحو بحر العرب والمحيط الهندي لم يعد فكرة نظرية، بل قد يتحول خلال السنوات القادمة إلى ضرورة استراتيجية، كما يتطلب أن يكون استقرار اليمن حجر الزاوية و لم يعد مصلحة يمنية داخلية فقط، بل بات جزءًا من منظومة الأمن القومي الخليجي.

و بتحليل  معمق يمكن القول ان النقاط المحورية التي يمكن أن نستخلصها مما سبق:

أولاً: أزمة الفيتو الدولي: لم يعد مجلس الأمن قادراً على لعب دوره في حفظ الأمن الدولي عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى (خصوصاً روسيا والصين مع إيران)، مما يجعل أي قرار أمريكي-خليجي مرشحاً للفيتو.

ثانياً: الرهينة المزدوجة لدول الخليج: وجدت دول الخليج نفسها محصورة بين تهديد إيراني مباشر للمضيق و اذرع ايران في المنطقة، و بين شلل دولي ناتج عن التنافس بين القوى الكبرى التي ترعى كل طرف لمصالح الاخر خوفا من التصادم المباشر.

ثالثاً: نقاط الضعف و الهشاشة في النموذج الاقتصادي الخليجي المتطور:
ان اعتماد المنطقة الخليجية على ممر مائي ضيق (مثل  مضيق هرمز) لتمرير 20% من تجارة النفط العالمية و 30% من تجارة الغاز جعل اقتصادها رهينة للابتزاز الجيوسياسي، رغم ما ذكرنا من وجود بدائل جزئية (خط الأنابيب الشرقي-الغربي بالسعودية، حبشان-ميناء الفجيرة في الإمارات).

رابعاً: اليمن كحل استراتيجي طويل الأمد: اليمن و ساحله الممتد على بحر العرب وخليج عدن و حتى تواجده على البحر الاحمر و مضيق باب المندب يمكن أن يشكل منفذا بديلا حيويا،  مع ضرورة التذكير والتحذير اولاً من أن استقرار اليمن لم يعد شأناً داخلياً بل أصبح جزءاً من الأمن القومي الخليجي والعربي خاصة على قناة السويس وضرورة إنشاء ممرات أنابيب مستقبلية عبر اليمن شرقاً وتأمين البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس غربا.

الخلاصة: الدرس الأهم الذي يمكن ان نستخلصه هو أن أمن الخليج لا يمكن أن يظل مرهوناً بردود فعل دولية أو وساطات مرحلية، بل يتطلب:

1. تنويع الممرات البحرية.
2. تعزيز تحالفات إقليمية صلبة.
3. إعادة اكتشاف الدور الاستراتيجي لليمن في معادلات الطاقة والتجارة.

في المقابل، إذا نجحت الوساطة التي تقودها باكستان بين الولايات المتحدة وإيران، فقد يتم احتواء الأزمة مؤقتًا، لكن جذورها ستبقى قائمة، لأن المشكلة الحقيقية ليست حادثة عابرة، بل استخدام الجغرافيا البحرية كورقة ضغط استراتيجية.
لقد أثبتت الأزمة الحالية أن العالم يتجه نحو مرحلة تصبح فيها الممرات البحرية أدوات ابتزاز سياسي، وأن القوى الكبرى باتت أكثر استعدادًا لتعطيل المؤسسات الدولية خدمة لحساباتها الخاصة.
أما بالنسبة لدول الخليج العربي، فإن الدرس الأهم يتمثل في أن أمنها البحري لا يمكن أن يبقى مرهونًا بردود فعل المجتمع الدولي، بل يجب أن يقوم على تنويع الممرات، وتعزيز التحالفات الإقليمية، وإعادة اكتشاف القيمة الاستراتيجية لليمن في معادلة الأمن والطاقة والتجارة الدولية.
أزمة مضيق هرمز اليوم ليست أزمة ملاحة فقط، بل لحظة تاريخية تعيد رسم خرائط النفوذ والطاقة والممرات البحرية في المنطقة بأكملها.

أكاديمي ومحلل سياسي يمني
جامعة تعز