ثقب "الكهرباء" الأسود في عدن .. أين تذهب ملايين الدولارات؟

ثقب "الكهرباء" الأسود في عدن .. أين تذهب ملايين الدولارات؟
مشاركة الخبر:

يُعد ملف الكهرباء في عدن من أكثر الملفات تعقيداً واستنزافاً لموارد الدولة، حيث تتداخل فيه الصفقات المشبوهة، وسوء الإدارة، والتجاذبات السياسية.

المواطن، وهو "صوت الشارع"، يتساءل: كيف دمّرت الكهرباء سبل العيش؟ وكيف يتكبد المواطنون الخسائر المادية نتيجة فساد الأجهزة الكهربائية وتلف البضائع؟

أما كبار السن ومرضى الربو، فلا يجدون من ينتشلهم من معاناتهم في صيف عدن الحار، وسط قيادات لا ترحم.

رسالة المواطن بالأمس واليوم وغداً تتمحور حول: "نحن لا نسأل عن الوقود، بل نسأل عن المليارات التي تتبخر بينما نختنق بالحر"، ولكن، كالعادة، لا مجيب!

التقينا بالعديد من المواطنين وطرحنا عليهم الأسئلة التالية:

صوت الشارع.. معاناة يومية

(أبو مروان) مالك محل بقالة في مديرية الشيخ عثمان.
سألناه: كيف أثرت أزمة الكهرباء والحديث عن صفقات الوقود المشبوهة على عملك؟
أبو مروان: (يتحدث بحسرة) "يا ابني، نحن نعيش في جحيم. المحل يعتمد على الثلاجات، وبسبب الانقطاعات التي تصل إلى 16 ساعة مقابل ساعتين تشغيل، أو 8 ساعات مقابل ساعتين، خسرت بضاعة بمئات الآلاف. الأجبان والعصائر تفسد، والناس لم تعد تشتري إلا المعلبات. نحن نسمع عن مليارات تُصرف، لكن في محلاتنا لا نرى إلا الظلام وفواتير تُجبرنا على الدفع رغم غياب الخدمة".
-هل ترى أن المشكلة في "نقص الوقود" أم أن هناك أسباباً أخرى؟
أبو مروان: "نقص الوقود كذبة مللنا منها. عندما يشتد الصيف تظهر الأزمات، وعندما يأتي مسؤول كبير تعمل الكهرباء 24 ساعة! هذا يعني أن هناك من يتحكم بالمفتاح لمصالح خاصة، أو ليجبرونا على قبول الطاقة المشتراة التي يملكها فلان وعلان". والنتيجة: صيف ساخن وتلف للبضائع.

انتقلنا إلى "كواليس المؤسسة"، والتقينا بموظف فني في المؤسسة العامة للكهرباء بمدينة عدن (طلب عدم ذكر اسمه)، وسألناه:
- لماذا لا تنجح عمليات الصيانة في تحسين التوليد بشكل ملموس؟
الموظف: "المشكلة ليست بيد الفنيين، بل في القرار الإداري. تُصرف ميزانيات ضخمة للمحطات، لكن ما يصل إلينا فعلياً هو قطع غيار مقلدة أو تجديدات شكلية. هناك شركات وسيطة هي المستفيد الأكبر؛ تأخذ العقود بملايين الدولارات وتورد لنا أسوأ الخامات".
- ماذا عن ملف الوقود؟ هل هناك تلاعب فعلي في الكميات؟
الموظف: "الديزل هو الثقب الأسود. تخرج الشحنة من المصافي لتغذية المحطات، لكن الكمية التي تصل فعلياً لا تتطابق مع الأوراق. هناك سوق سوداء نشطة تتغذى على ديزل الكهرباء. أضف إلى ذلك أن الإصرار على استخدام الديزل، وهو الأغلى عالمياً، بدلاً من المازوت أو الغاز، يُعد فساداً بحد ذاته، لأن هناك من يستلم عمولات عن كل لتر ديزل يتم استيراده".

أما الأخت ليلى، وهي إحدى الموظفات، فتقول:"الطاقة المشتراة استنزفتنا. نحن ندفع لهذه الشركات بالعملة الصعبة مبالغ كانت كفيلة ببناء ثلاث محطات حكومية عملاقة. المؤسسة أصبحت مجرد 'وسيط' لتحويل الأموال من خزينة الدولة إلى جيوب المستثمرين النافذين. وكلما حاولنا طرح حلول لتقليص الاعتماد عليهم، نجد عراقيل إدارية غير مبررة."
-هل هناك رقابة على هذه العقود؟
ليلى: "الرقابة موجودة على الورق فقط. التقارير تُرفع، والفساد موثق، لكن الملفات تُحفظ في الأدراج. هناك تداخل بين السياسة والتجارة جعل من ملف الكهرباء 'خطاً أحمر' يمنع الاقتراب منه."

خلاصة القول، يتبين أن الأزمة في عدن ليست مجرد "عجز تقني"، بل استنزاف مالي لصالح شركات خاصة (الطاقة المشتراة)، وتلاعب بوقود المحطات وتحويله إلى السوق السوداء، إضافة إلى عقود صيانة وهمية أو استخدام قطع غيار غير مطابقة للمواصفات.

محولات متهالكة

يُقال إن نصف الطاقة المنتجة يضيع قبل أن يصل إلى المنازل، فهل هذا بسبب الربط العشوائي فقط؟ سألنا ذلك للمهندس ناصر، فكانت إجابته على النحو التالي:
"الربط العشوائي جزء من المشكلة، لكن الفساد الحقيقي يكمن في المحولات والزيوت. نحن نرفع طلبات لتبديل محولات متهالكة، فتأتينا محولات 'مجددة' يتم صبغها لتبدو جديدة، لكنها ذات كفاءة رديئة، وتنفجر عند أول ضغط صيفي. حتى زيوت المحولات التي تُصرف، نكتشف أحياناً أنها غير مطابقة للمواصفات، مما يؤدي إلى احتراق الشبكة. هذا 'الهدر الممنهج' يخدم تجار المعدات الكهربائية الذين يبيعون للمؤسسة وللمواطنين في الوقت نفسه."
-ماذا عن المحسوبية في استمرار التيار لبعض المناطق دون غيرها؟
المهندس ناصر: "هذا جرح نازف. هناك خطوط 'ساخنة' لا تنطفئ، تذهب إلى بيوت مسؤولين ونافذين وفنادق معينة، بينما يتم فصل التيار عن أحياء سكنية كاملة بحجة 'تخفيف الأحمال'. نحن كمهندسين نتلقى أوامر هاتفية فوقية لا نستطيع مخالفتها."

(لعبة الإطفاء)

في اللقاء الأخير، سألنا مراقباً في غرفة التحكم:

- لماذا تنطفئ الكهرباء فجأة بعد دقائق من عودتها؟ وهل هي ألاعيب؟
أجاب: "في غرفة التحكم، نحن ننفذ ما يمليه علينا 'الواقع التوليدي'. الفساد هنا يكمن في الوقود الرديء. أحياناً يتم تزويدنا بوقود (ديزل أو مازوت) مليء بالشوائب، وبمجرد دخوله إلى المنظومة تضطر التوربينات إلى التوقف آلياً لحماية نفسها، أو تنخفض قدرتها التوليدية فوراً. هذا التلاعب بجودة الوقود هو ما يسبب 'الرمش' والإطفاء المفاجئ، والضحية هي عمر المحطات التي تتدمر يوماً بعد يوم."
- هل هناك تعمد في تقليل ساعات التشغيل؟
"أحياناً يتم إبلاغنا بتقليل التوليد للحفاظ على ما تبقى من الوقود، رغم وجود شحنات في الميناء! المسألة تصبح 'ورقة ضغط' سياسية أو مالية من قبل موردي الوقود؛ يغلقون المحبس حتى يتم صرف مستحقاتهم، والمواطن هو الرهينة في هذه اللعبة."

مكامن الخلل بناءً على أحدث التقارير والمعلومات حتى مايو 2026:
1. مقدمة: صيف عدن الذي لا ينتهي

بينما تتجاوز درجات الحرارة حاجز 38 درجة مئوية، يعيش سكان عدن في ظلام دامس لساعات تتجاوز 18 ساعة يومياً. هذا التحقيق يبحث فيما وراء "نقص الوقود" المعتاد، ليكشف عن شبكة من العقود المشبوهة والهدر المالي الذي يجعل من أزمة الكهرباء "تجارة مربحة" للبعض.
2. أرقام صادمة: الإنفاق مقابل الخدمة
تشير البيانات والتقارير الرقابية إلى أرقام تعكس فجوة هائلة بين الإنفاق والواقع:
- كلفة الوقود: تستهلك محطات التوليد وقوداً بقيمة تُقدَّر بنحو 75 مليون دولار شهرياً.
- الفاقد الفني والتجاري: بلغت نسبة الفاقد من الطاقة المنتجة نحو 44% في عام 2023، وهي ضعف النسبة المتعارف عليها دولياً (حوالي 20%)، نتيجة تهالك الشبكة والربط العشوائي.
- فجوة التوليد: تحتاج عدن إلى 600 ميجاوات، بينما لا يتجاوز الإنتاج الفعلي 410 ميجاوات في أفضل حالاته.

3. ملفات الفساد: صفقات تحت مجهر الرقابة
كشفت تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وتحقيقات استقصائية حديثة، حتى منتصف 2025 وبداية 2026، عن قضايا محورية:
- مشروع محطة الحسوة: التعاقد بالأمر المباشر مع شركات تفتقر للسجل المهني الكافي بمبالغ ناهزت 31 مليون دولار، مع ثبوت استخدام قطع غيار وتوربينات مستعملة بدلاً من الجديدة، مما أدى إلى ضعف كفاءة التوليد.
- الطاقة المشتراة (المستأجرة): استمرار الاعتماد على استئجار محطات من شركات خاصة بكلفة باهظة، بدلاً من بناء محطات حكومية مستدامة، مما يستنزف ميزانية الدولة سنوياً لصالح "هوامير" الطاقة.
- وقود الديزل: التلاعب في مناقصات استيراد الوقود وتوزيعه، حيث كشفت وثائق عن صرف مخصصات وقود في فترات شهدت انقطاعات تامة، مما يطرح تساؤلات حول مصير تلك الشحنات.

4. عوائق تشغيل "محطة الرئيس"
على الرغم من وجود "محطة بترومسيلة" (محطة الرئيس) بقدرة توليدية كبيرة، فإن الصراعات حول توفير النفط الخام من مأرب أو حضرموت، بواقع نحو 30 قاطرة يومياً، تجعلها تعمل دون طاقتها القصوى، وهو ما يعتبره مراقبون "تعطيلاً متعمداً" لإبقاء سوق الطاقة المستأجرة نشطاً.

5. الجبايات والفساد الإداري
- غياب الصيانة: رصد التحقيق إهمال صيانة الشبكات المتهالكة مقابل صرف مبالغ ضخمة على "بدلات سفر" وعقود استشارية غير مجدية.
- التهرب من التحصيل: هناك عجز كبير في تحصيل الفواتير من كبار المشتركين والجهات النافذة، بينما يُطالب المواطن البسيط بالالتزام.

ثقب "الكهرباء" الأسود في عدن.. أين تذهب ملايين الدولارات؟

6. الحلول الغائبة

يرى الخبراء أن الحل لا يكمن في "شحنات إسعافية" من الوقود، بل في:
- التحول في نوع الوقود: الانتقال الكلي من الديزل المكلف إلى الغاز أو المازوت عبر مد أنابيب مباشرة للمحطات.
- الشفافية المطلقة: إنهاء عهد التعاقد بالأمر المباشر وتفعيل قانون المناقصات والمزايدات.
- تحديث الشبكة: معالجة نسبة الفاقد التي تلتهم نصف الطاقة المنتجة قبل وصولها إلى المنازل.

ملاحظة هامة:
وجهت النيابة العامة في عدن مؤخراً، أواخر 2023 وبداية 2026، بإحالة عدة ملفات فساد في قطاع الكهرباء إلى الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، إلا أن نتائج هذه التحقيقات لا تزال تواجه بطئاً في التنفيذ وسط ضغوط سياسية.

الخاتمة
يتضح أن أزمة الكهرباء في عدن ليست مجرد "عجز تقني" أو "نقص في الموارد"، بل هي أزمة إرادة غُيِّبت بفعل فاعل، وثقب أسود يبتلع مقدرات الدولة لصالح شبكة معقدة من المنتفعين.
إن استمرار الاعتماد على "الطاقة المستأجرة" واستيراد "الديزل المكلف" بدلاً من الحلول المستدامة، ليس سوى إمعان في استنزاف المال العام، وإبقاء المدينة رهينة لسياسات "الإطفاء المتعمد".

نداء إلى الجهات الرقابية والقضائية:

إننا، من خلال هذا المنبر، نضع هذه الحقائق أمام مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة، والنائب العام، والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، ونطالب بالآتي:
- فتح تحقيق شفاف وعاجل في عقود صيانة المحطات الحكومية، خاصة محطة الحسوة والمنصورة، وكشف المتورطين في توريد قطع غيار ومعدات متهالكة.
- مراجعة ملف "الطاقة المشتراة"، ووضع سقف زمني لإنهاء هذا الملف الذي تحول من "حل مؤقت" إلى "استنزاف دائم"، والتوجه نحو الطاقة البديلة أو الغازية.
- إخضاع منظومة وقود الكهرباء لرقابة صارمة، منذ لحظة وصول الشحنات إلى الميناء وحتى استهلاكها في المحطات، لوقف تسربها إلى الأسواق السوداء.
- تحييد ملف الخدمات عن الصراعات السياسية، فالمواطن في عدن لم يعد يملك ترف الصبر، وهو يرى صيفه يضيع بين وعود زائفة وصفقات مشبوهة.

الخلاصة:
إن إصلاح كهرباء عدن يبدأ من "إصلاح منظومة النزاهة" داخل أروقة المؤسسة والوزارة، وإن كلفة الصمت على هذا الفساد أصبحت تفوق كلفة إصلاح الكهرباء نفسها. لقد آن الأوان لانتشال عدن من ظلامها، ومحاسبة الذين يقتاتون على معاناة الناس تحت لهيب الصيف.