اليمن.. ومأزق "الوظيفة المريحة"
بعد أكثر من عقدٍ من الحرب والانهيار، لم يعد اليمن يحتمل المزيد من الحلول المؤقتة التي تؤجل الانفجار ولا تعالجه.
ولم يعد بحاجة إلى هدن مؤقتة، أو طائرات تقلع وتهبط بين العواصم لتوقيع اتفاقيات تولد ميتة قبل أن يجف حبرها. فالمعضلة الحقيقية اليوم ليست في غياب الرغبة في التهدئة، بل في تحوّل الحرب نفسها إلى "وظيفة" مريحة ومربحة لشبكات مصالح عابرة للحدود والولاءات. وما يئنّ منه اليمنيون ليس رصاص الجبهات فقط، بل "اقتصاد الحرب" الذي تحوّل إلى وحش كاسر يقتات على الجوع، ويغذي الفقر، ويمزق ما تبقى من جسد الدولة المنهك. لقد أصبحت معاناة الناس سوقاً مفتوحة للمساومات، وأضحى دم اليمنيين وقوداً لمشاريع النفوذ والهيمنة، بينما المواطن البسيط يختنق كل يوم تحت أنقاض وطن يُنهب أمام عينيه.
ومن هنا، فإن الحديث عن الإنقاذ يجب أن يتجاوز لغة الإنشاء والشعارات المستهلكة؛ فنحن أمام بلد تتقاسمه جغرافيا ممزقة، وقرار سيادي مرتهن، وقوى محلية يرى بعضها في استمرار الفوضى غاية بحد ذاتها، لأنها تضمن بقاءه ونفوذه وثرواته. والأسوأ من ذلك أن اليمن لم يعد مجرد ساحة صراع سياسي، بل تحول إلى حقل تجارب مفتوح للقوى المتصارعة، تُدار فيه الأزمات بعقلية السمسرة، ويُترك الشعب وحيداً يواجه الجوع والخوف والانهيار الكامل.
ولذلك، فإن الخطوة الأولى لأي مشروع إنقاذ حقيقي تبدأ من تفكيك هذه المنظومة الجهنمية. فما دام الصراع يدر أموالاً ومناصب على أمراء الحرب، فلن يجد أحد منهم مصلحة حقيقية في السلام. بل إن بعض القوى باتت ترى في استمرار المأساة ضماناً دائماً لبقائها وسطوتها. والسلام لا يتحقق بتقديم التنازلات السياسية لطرف على حساب آخر، بل بتحويل الحرب من "سلعة مربحة" إلى "عبء قاتل ومكلف". وهذا يتطلب إعادة توجيه الموارد الشحيحة نحو التنمية المباشرة، وإيقاف الجبايات التي تمول الكيانات الموازية للدولة، وتجفيف منابع الفساد التي التهمت قوت اليمنيين حتى بات المواطن عاجزاً عن تأمين أبسط حقوق الحياة.
وفي هذا السياق المأزوم، جاء الخطاب الأخير لـ أحمد علي عبدالله صالح ليعيد تحريك المياه الراكدة، ويكسر حالة الجمود السياسي التي خنقت المشهد لسنوات. فالدعوة إلى إنهاء الانقسام وتوحيد الجهود الوطنية ليست ترفاً سياسياً، بل اعتراف متأخر بأن تشتت الجبهة المناهضة للمشروع الحوثي هو الذي أطال عمر الأزمة، وفتح الأبواب أمام مزيد من الانهيار. غير أن المحك الحقيقي لا يكمن في إطلاق الوعود والخطب، بل في القدرة على ترجمة هذه الدعوات إلى مشروع وطني جامع يدمج القوى الفاعلة على الأرض ضمن معادلة واحدة، تنتصر لليمن لا للمصالح الضيقة.
والحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع هي أنه لا توجد قوة يمنية واحدة قادرة على إلغاء الأخرى أو حكم اليمن بمفردها. فكل مشاريع الإقصاء أثبتت فشلها، وكل محاولات الاحتكار السياسي لم تنتج سوى الخراب والانقسام. والشرعية التي يبحث عنها الناس ليست تلك التي تُستمد من الخارج أو تُفرض بالقوة، بل الشرعية المستقلة النابعة من الداخل، والمستندة إلى تماسك وطني حقيقي يستوعب الخلافات ويحتويها تحت مظلة الدولة والسيادة القانونية. أما الاستقواء بالخارج فلن يصنع وطناً، بل سيعمّق الارتهان ويطيل عمر الكارثة.
إن أخطر ما يواجه اليمن ،اليوم، هو القبول بصيغة "تجميد الصراع" وتسويقها على أنها سلام دائم. فتجميد الصراع يعني، بكل وضوح، بقاء السلاح المنفلت، واستمرار الكيانات العقائدية المسلحة، وتقاسم النفوذ بين القوى المتصارعة، بانتظار جولة عنف قادمة ستكون أكثر شراسة ودموية. وما يُراد لليمن ليس سلاماً حقيقياً، بل هدنة هشة تُبقي البلاد معلقة بين الحرب واللا دولة، فيما الشعب يدفع الثمن من أمنه وكرامته ولقمة عيشه.
ولهذا، فإن السلام المستدام لا تصنعه النوايا الحسنة ولا البيانات الدبلوماسية الباردة، بل يصنعه توازن القوى الحقيقي على الأرض، عبر بناء مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة قادرة على فرض القانون، وإنهاء تعدد مراكز النفوذ، وصياغة عقد اجتماعي يمني خالص يضع مصلحة المواطن فوق أي اعتبارات أيديولوجية أو إقليمية. فالدولة التي لا تحتكر السلاح تظل مجرد اسم بلا سيادة، والوطن الذي تُدار قراراته من خارج حدوده يبقى رهينة للفوضى مهما رفعت فيه شعارات السلام.
وفي النهاية، يمر اليمن ،اليوم، بمنعطف تاريخي خطير لا يحتمل المناورات الصغيرة ولا الحسابات الضيقة. واستعادة القرار السيادي ليست شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل معركة وجود ومسار شاق يتطلب شجاعة سياسية حقيقية من كافة الأطراف للتنازل لليمن.. واليمن وحده. وبدون ذلك، سيبقى البلد يدور في حلقة جهنمية مفرغة، تُسحق فيها أحلام الناس، ويُدفع فيها المواطن البسيط ثمن الصراع من كرامته وأمنه ومستقبل أبنائه، بينما يتقاسم تجار الحرب خرائط النفوذ فوق أنقاض وطن ينزف بصمت.