الحوثي يخاطب اليمنيين عن التكافل... بعد سنوات من نهب الرواتب
في اليمن، لم يعد خطاب زعيم في جماعة مسلحة مناسبة عابرة تُقرأ ثم تُنسى، بل صار امتحاناً يومياً لقدرة الناس على احتمال المزيد من الإذلال. هكذا بدا خطاب مهدي المشاط، رئيس ما يسمى بـ«المجلس السياسي الأعلى» التابع لمليشيا الحوثي، بمناسبة عيد الأضحى؛ خطابٌ خرج بعباءة التهنئة الدينية، لكنه سرعان ما انكشف باعتباره بياناً سياسياً متعالياً، يفتقر إلى الحد الأدنى من الإحساس بمأساة ملايين اليمنيين الذين يعيشون تحت خط الجوع والخوف والانهيار الكامل لمقومات الحياة.
المشاط لم يخاطب شعباً أنهكته الحرب بقدر ما خاطب جمهوراً يفترض أنه فقد ذاكرته. تحدث عن التكافل، وعن مساعدة الفقراء، وعن «تفقد أحوال الجيران»، وكأن السلطة التي تتحكم بالضرائب والجمارك والموانئ والاتصالات وأسواق الوقود ليست مسؤولة عن تحويل اليمنيين إلى طوابير طويلة من المعوزين والمحتاجين. كان الخطاب أشبه بمحاولة لإعادة تعريف الدولة: سلطة تجبي بلا حساب، لكنها تتنصل من أي التزام تجاه الناس، وتلقي عبء الكارثة على المجتمع نفسه.
ذلك ما فجّر موجة غضب واسعة على مواقع التواصل وفي الشارع اليمني. فاليمنيون الذين لم يتقاضَ كثير منهم رواتبهم منذ سنوات، لم يروا في دعوات التبرع سوى اعتراف سياسي وأخلاقي بفشل الجماعة في إدارة المناطق الخاضعة لها. والأسوأ من الفشل، أنها تتعامل مع الفقر الذي صنعته كأنه قدرٌ سماوي، لا نتيجة مباشرة لسياسات الجباية والتجويع ونهب الموارد العامة.
اللغة الحوثية التقليدية حضرت كعادتها: «الصمود»، «الوعي»، «المقاطعة»، «التحرر»، وهي مفردات استُهلكت حتى فقدت أي أثر معنوي لدى الشارع اليمني. فالمواطن الذي يقف يومياً أمام أسعار ملتهبة وانقطاع مرتبات وانهيار خدمات، لم يعد معنياً بالشعارات الكبرى. لقد اكتشف ببساطة أن كل خطاب تعبوي يخرج من صنعاء تقابله زيادة جديدة في الجبايات، أو حملة ابتزاز للتجار، أو سوق سوداء يديرها نافذون في الجماعة.
وإذا كان ثمة ملف يفضح الجماعة بلا حاجة إلى خطب أو بيانات، فهو ملف الرواتب المنهوبة. فمنذ سنوات طويلة، يعيش الموظف اليمني بلا راتب منتظم، بينما تتدفق إلى خزائن الحوثيين مليارات الريالات من الضرائب والجمارك والزكاة والإتاوات المفروضة بقوة السلاح. اليمنيون يعرفون جيداً أن المشكلة ليست في غياب الموارد، بل في طريقة توزيعها؛ إذ تُوجَّه الأموال نحو المجهود الحربي، وبناء شبكات النفوذ، وتمويل الامتيازات الخاصة بقيادات الجماعة ومشرفيها.
هنا تحديداً تتكشف الفجوة الطبقية التي صنعتها الحرب الحوثية. ففي الوقت الذي يعجز فيه الموظف عن شراء أضحية العيد أو تأمين احتياجات أطفاله الأساسية، تظهر طبقة جديدة من الأثرياء المرتبطين بالجماعة: سيارات فارهة، عقارات، شركات، قصور، واستثمارات تتوسع بصورة لافتة داخل صنعاء ومناطق السيطرة الحوثية. لم يعد اليمنيون يتحدثون عن سلطة سياسية بقدر ما يتحدثون عن شبكة مصالح مالية مغلقة، تتغذى على اقتصاد الحرب والجوع معاً.
ولعل أخطر ما كشفه التفاعل الشعبي مع خطاب المشاط ليس حجم السخرية فقط، بل تآكل حاجز الخوف. فالجماعة التي حكمت بالترهيب والاعتقالات والتخوين، تواجه اليوم مجتمعاً بدأ يفقد رهبة القبضة الأمنية. الناس لم تعد تصدق الروايات الجاهزة عن «المؤامرة» و«العدوان» بقدر ما باتت تسأل سؤالاً بسيطاً ومباشراً: أين تذهب أموال الدولة؟ ولماذا يُطلب من الجائع أن يتبرع للجائع بينما يعيش قادة الحرب في وفرة لا تخفى على أحد؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، بل مؤشرات على تحوّل عميق داخل المزاج اليمني. فحين يتحول خطاب العيد إلى مادة للسخرية الشعبية الواسعة، فذلك يعني أن الهوة بين السلطة والناس أصبحت أكبر من أن تردمها الشعارات. ويعني أيضاً أن الجماعة التي نجحت طويلاً في فرض الصمت بالقوة، باتت تواجه محاكمة شعبية مفتوحة، عنوانها الأبرز أن الجوع لا يمكن إخضاعه بالخطب، وأن الشعوب قد تصبر على الحرب، لكنها لا تغفر لمن يتاجر بآلامها باسم الدين والسياسة معاً.