اليمن على مفترق الطرق...!!

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

تشهد الساحة اليمنية في الآونة الأخيرة تطورات متسارعة ونقاط تحولات سياسية وعسكرية تكتسب أهميتها البالغة في أنها أعادت خلط الأوراق في المشهدين المحلي والإقليمي على حد سواء.
لا ريب في أن مجمل هذه التطورات تؤكد انهيار حالة التهدئة النسبية، التي طالت مدتها دون تحقيق أي جدوى من زيادة استمرار زمنها لمدة أطول، الأمر الذي قد يترتب عليه الدفع بالواقع نحو مرحلة حرجة ومخاض عسكري جديد ينذر بتعقيد مسارات الحل السياسي الشامل، ويضع الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة العالمي أمام تحديات غير مسبوقة.
ويتركز المشهد الراهن في محاور رئيسة تعكس اتساع رقعة التوتر وعدم الاستقرار الذي تغذيه نزعات التدمير المنهجي للمؤسسات الوطنية، وتتجلى تلك المحاور على النحو الذي سنأتي عليه أدناه.
التصعيد العسكري والبحري
مؤخرًا، أعلنت جماعة الحوثي فرض قيود وحظر استهدف سفنًا وناقلات نفط سعودية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ما أدى إلى تراجع وتغير في مسارات بعض الناقلات الدولية، وسط ترقب أممي ودولي واسع.
وقد أثار هذا التصعيد ردود فعل غاضبة وتعهدات صارمة من قبل التحالف العربي والحكومة اليمنية بحماية خطوط الملاحة ومقدرات المملكة، بالتزامن مع تحذيرات دولية وأمريكية متكررة من تداعيات هذه الهجمات على حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة.
وعلى صعيد الداخل، تجددت المواجهات الميدانية والاشتباكات العنيفة بين القبائل، مثل قبائل دهم، وعناصر جماعة الحوثي في مناطق عدة بمحافظة الجوف، التي تشهد تمدد التوتر في مديرية خب والشعف، وسط حشود قبلية واعتراضات متكررة على سياسات الجماعة ونقاط التفتيش التابعة لها.
وفي السياق ذاته، أعلنت مليشيات صنعاء عن إسقاط طائرة استطلاع مسلحة تركية الصنع من طراز بيرقدار أكنجي، تابعة للتحالف، في أجواء محافظة الجوف، بالتزامن مع غارات وقصف متبادل طال مناطق حدودية ومواقع حيوية.
ويأتي التصعيد العسكري الأخير في سياق حلقة مترابطة من التوترات الميدانية والسياسية، حيث تتعدد الدوافع الكامنة وراء هذه الهجمات والردود المتبادلة، في ظل خلفية تاريخية وأخلاقية تتسم بالفراغ والعبث الممنهج بمقدرات الوطن.
فقد أعلنت جماعة الحوثي أن هجماتها الصاروخية وبطائراتها المسيّرة التي استهدفت منشآت حيوية ونفطية، مثل مواقع أرامكو في جيزان وينبع على الساحل الغربي، جاءت كـ"ردّ حتمي ومباشر" على الغارات الجوية العنيفة التي شنّتها طائرات التحالف بقيادة السعودية، والتي استهدفت مواقع وقواعد عسكرية ومرافق حيوية في محافظة الحديدة وجزيرة كمران.
وتبرر المليشيات عملياتها في إطار استراتيجيتها المعلنة لكسر القيود والمواجهات البحرية، إذ جاءت هذه التطورات على خلفية استهداف سفينة تابعة لشركة سعودية في البحر الأحمر، وما أعقبها من ضربات جوية للتحالف استهدفت مواقع عسكرية مرتبطة بتهديد خطوط الملاحة.
وترفع الجماعة شعار "التصعيد بالتصعيد" في محاولة لفرض معادلات جديدة تردع العمليات العسكرية الموجهة ضد بنيتها التحتية العسكرية في الساحل الغربي، متكئة على استراتيجية الأرض المحروقة التي لا تستقيم إلا بالفوضى العارمة.
وتندرج هذه الهجمات ضمن سياق أوسع يربط الجبهة اليمنية بالتوترات الإقليمية الكبرى وصراع الطاقة العالمي، إذ يرى مراقبون أن توسيع دائرة الاستهداف لتطال منشآت استراتيجية واقتصادية حساسة يهدف إلى الضغط على مسارات إمدادات الطاقة الدولية وأسواق النفط، والتي تجاوز فيها خام برنت مستويات قياسية مؤخرًا، ومحاولة إحداث إرباك في حسابات الأطراف الداعمة للشرعية والتحالف عبر نقل المعركة إلى عمق البنى الاقتصادية المؤثرة.
المقامرة بالوطن والشعب ومقدراته
هناك حقيقة ساطعة تقول: "من لم يبنِ حجرًا واحدًا في وطنه، يهون عليه هدم كل جدران الوطن".
تختزل هذه الحقيقة إلى حد كبير الطبيعة السياسية والعسكرية للسلالة الإمامية، منذ ظهرت في اليمن حتى يومنا هذا الذي عادت فيه بلباس الحوثية، اختزالًا يؤكد عجزها التام عن إدراك القيمة الحقيقية للدولة ومؤسساتها.
وحين تفتقر أي جماعة مسلحة إلى أي رصيد تنموي أو وطني، فإنها تنظر إلى مقدرات اليمن والمنطقة باعتبارها مجرد غنائم حرب رخيصة أو أوراق ضغط عبثية لتحقيق مكاسب فئوية ضيقة على حساب مصلحة الوطن العليا وأمنه واستقراره.
لذلك، لا يطرف لها جفن حين تلتهم النار كل شيء جميل، ولا تجد غضاضة في تحويل المدن والقرى والمصالح الحيوية إلى ركام وهشيم يخدم بقاءها المؤقت على جماجم الأبرياء وأنقاض المؤسسات الوطنية المدمرة بشكل ممنهج.
ولا يقف تخريبها عند حد معين، فحين تعجز أذرعها المباشرة عن إنجاز التخريب الكامل، فإنها لا تتردد لحظة واحدة في استدعاء التدخلات الخارجية واستفزاز القوى الإقليمية والدولية بلا توقف، باحثة دومًا عن بوابات الفتنة التي تضمن استمرار اشتعال الحروب في المنطقة بأسرها، وليس ثمة برهان على ما يطرحه كاتب هذه المقالة من إقدام المليشيات مؤخرًا على التصعيد الخطير والمتهور بالاستهداف المباشر للمصالح الحيوية ومنشآت الطاقة في الرياض والمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، وهو مؤشر جديد لحلقة جديدة ودامية في مسلسل الانتحار السياسي والدفع المتعمد نحو حافة الهاوية.
هذا السلوك الأرعن يكشف بوضوح عن رغبة جامحة ومرضية في استدراج الردود العنيفة وتوسيع دائرة المواجهة لتشمل تدمير كل ما تبقى من بنى تحتية ومقومات حياة أساسية، غير آبهة بما يترتب على ذلك من كارثة إنسانية واقتصادية.
وعبر اختلاق الذرائع الوهمية والمبررات الواهية، تواصل القيادة الحوثية إحكام قبضتها الأمنية على السكان في مناطق سيطرتها، مستغلة حالة العزلة والفقر والبطالة لتركيع المجتمع وإلهاء المواطنين بلقمة العيش عن مطالبهم العادلة.
وبينما تتصاعد لغة التفجيرات والتهديدات المستمرة التي تستهدف الشرايين الاقتصادية، يجد المواطن اليمني المنهك نفسه وحيدًا في مواجهة فاتورة الدم والدمار والقهر، دون أي معين أو نصير يحميه من بطش هذه العصابة وأحقادها التي لا تخلو من الخبث.
وطبعًا، لا يوجد أدنى حرج لدى قياداتها المستفيدة من اقتصاد الحرب ومراكمة الثروات غير المشروعة بحجم المأساة الإنسانية المتناسلة، حيث يعاني ملايين الأطفال والنساء من انعدام أبسط مقومات الرعاية الصحية والمعيشية الكريمة، في ظل مساعٍ مستمرة لتدمير المستقبل عبر نسف الهياكل التعليمية والثقافية والاقتصادية والعمرانية، وحتى نسف القيم والبُنى الأخلاقية للمجتمع.
إن استمرار النهج الحوثي في المراهنة على الفوضى الإقليمية والاعتداء السافر على دول الجوار يعكس فهمًا مقلوبًا لطبيعة الصراعات التاريخية التي لا تنتهي إلا بخراب الحاضر وضياع مستقبل الأجيال القادمة التي تنشأ في بيئة من الحروب والأحقاد.
ولا يمكن لأي مشروع سياسي طائفي أن يُكتب له البقاء إذا قام على أنقاض الأوطان المستباحة واستباحة دماء الشعوب وتهديد السلم والأمن الدولي وانتهاك المواثيق والأعراف التي تكفل حماية الدول المستقلة ذات السيادة.
حتمية تعثر الجهود الدبلوماسية
على وقع هذه التطورات الميدانية المتصاعدة، تتواصل المساعي الدبلوماسية الحثيثة عبر المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، في عواصم القرار الإقليمي والدولي، لمحاولة احتواء الانزلاق نحو جولة حرب شاملة واسعة النطاق، والتركيز على إبقاء مسار خفض التصعيد الإنساني بمعزل عن التوترات الإقليمية الأوسع.
غير أن اتساع الفجوة بين الأطراف المتنازعة وعودة لغة السلاح والضربات المتبادلة يفرضان تحديات جسيمة أمام جهود السلام، مما يجعل الحالة اليمنية مفتوحة على كافة الاحتمالات، وسط مخاوف متزايدة من تدهور إضافي للأوضاع الإنسانية والمعيشية للمواطنين.
الخطوات الرئاسية العاجلة المطلوبة
في ظل هذا المنعطف التاريخي الحرج، وأمام المخاطر الوجودية المحدقة بالكيان الوطني، يتوجب على مجلس القيادة الرئاسي، برئاسة فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، الشروع الفوري في اتخاذ حزمة من الخطوات الاستراتيجية الحاسمة لتوحيد الصفوف واستعادة زمام المبادرة.
أولًا: يتعين على المجلس صياغة استراتيجية وطنية شاملة ودقيقة تدمج الجهد العسكري بالمسار السياسي والاقتصادي، مع إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية صلبة تضمن التنسيق الكامل والفاعل مع تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية الشقيقة، لردع أي عدوان سافر على مقدرات الوطن وحماية الملاحة الدولية.
ثانيًا: ينبغي إعطاء الأولوية القصوى للجانب الاقتصادي والمعيشي، عبر استئناف تصدير النفط والغاز من المحافظات المحررة وتأمين الموارد المالية لدعم العملة الوطنية وصرف المرتبات بانتظام، مع إطلاق حزمة إصلاحات جادة وشفافة تحارب الفساد وتخفف من حدة الأزمة الإنسانية الخانقة التي يعاني منها المواطن اليمني المنهك.
ثالثًا: تفعيل الجبهة الدبلوماسية والإعلامية الرسمية بمستوى يوازي حجم المعركة المصيرية، لكشف الفاشية الحوثية وتعرية مشاريعها الطائفية أمام الرأي العام الإقليمي والدولي، وتوثيق جرائمها الممنهجة ضد المؤسسات وحقوق الإنسان، لبناء جبهة إقليمية ودولية ضاغطة تعيد الاعتبار للشرعية الدستورية وتدفع نحو تسوية عادلة ترتكز على المرجعيات الأساسية.
هذه الخطوات العاجلة لم تعد ترفًا سياسيًا، بل هي الواجب الوطني الأقدس الذي ينتظره الشعب اليمني من قيادته السياسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ووضع الوطن على عتبات الدولة الاتحادية العادلة.
الاصطفاف ضرورة شرعية وحتمية وطنية
يجب على اليمنيين، سلطة وشعبًا، إدراك أن الواقع الذي يؤول إليه البلد اليوم يقتضي الاصطفاف الكبير، كونه ضرورة شرعية وحتمية وطنية، وصيرورة تاريخية ومستقبلية، ومسؤولية وطنية كبرى ملقاة على عاتقهم في مثل هكذا لحظة فارقة من تاريخ اليمن الحديث.
وهذا الطرح ليس ترفًا في القول بمقدار ما هو حقيقة ناصعة ستظل ماثلة أمام أعيننا، تجاهرنا بأن استمرار السكوت عن تدمير مؤسسات البلاد والعباد اليوم هو مشاركة ضمنية ومباشرة في ضياع الغد وتأبيد معاناة الأجيال القادمة التي تنتظر الخلاص.
لقد آن الأوان بسرعة لطي صفحة العبث الحوثي وإيقاف مسلسل استنزاف مقدرات اليمن والمنطقة عبر رؤية سياسية وأمنية وعسكرية حازمة وشاملة تقطع دابر التمرد وتنهي أسباب وجوده من جذورها، ليعود اليمن وقّادًا بالسلام والتنمية والأخوة الصادقة مع محيطه العربي والدولي.
إن الوعي العميق بطبيعة هذا الخطر الوجودي يفرض على القوى الحية وكل الوطنيين الأحرار في اليمن وخارجه رفض هذا العبث ومقاومته بكل السبل المشروعة لحماية ما تبقى من جدران الوطن المهددة بالانهيار التام قبل أن يطبق الظلام على الجميع.
فالوطن الذي يُترك فريسة سهلة للعصابات السلالية يستحق من أبنائه الشرفاء وقفة تاريخية شجاعة ومسؤولة تعيد تصحيح البوصلة الوطنية نحو بناء الدولة الاتحادية العادلة واستعادة القرار السيادي المسلوب من جماعة لا تعرف سوى لغة السلاح.