حجة.. جمهورية الجوع فوق بحيرات الديزل (2 - 2)
هنا حجة.. المحافظة التي تنام على "بحر من النفط" وتستيقظ لتبحث عن "شمعة". هنا أرض حبلى بالذهب الأسود، لكن القابلات القانونيات من مسؤولي الغفلة قرروا إجهاض الحلم قبل أن يرى النور، كي لا تتسخ بدلاتهم الأنيقة بغبار التنمية.
يا لروعة المشهد! يمشون فوق حقول من الهيدروكربون بأقدام حافية، وتتطاير في أجوائهم وعود الرفاهية، بينما تتطاير من بطونهم عصارات الجوع المر. لقد استطاعت القيادات الفذة في هذه البلاد تحقيق إنجاز علمي غير مسبوق في عالم الفيزياء: تحويل الثروة الكامنة إلى فقر دائم، وتحويل النفط في باطن الأرض إلى قصور وفلل للمسؤولين في عواصم الشتات والداخل.
دخلنا إلى مكتب أحد "الجهابذة" من قادة المحافظة، فكان يجلس خلف مكتب عريض تفوح منه رائحة البخور الفاخر، بينما يمتد طابور المواطنين في الخارج كأفعى أسطورية تبحث عن صك غفران أو سلة غذائية. سألناه بأدب:
"يا معالي القيادي الانتهازي.. الأرض تحتكم تضج بالنفط، والناس فوقكم تضج من الموت، أين الخلل؟"
فابتسم ابتسامة صفراء عريضة، ومسح على بطنه الممتلئة بخيرات الجبايات، وقال بفصاحة تُحسد عليها:
"يا ولدي، نحن نحافظ على البيئة! استخراج النفط يسبب الاحتباس الحراري، ونحن نريد للمواطن الحجي أن يعيش في أجواء طبيعية ونقية. الجوع يطيل العمر، والفقر يضمن دخول الجنة بلا حساب، ونحن لا نريد إفساد أخلاق الرعية بالرفاهية النفطية!"
يا للهندسة الروحية للفساد! يسرقون الأرض باسم الحفاظ على الأخلاق، ويتركون المواطن يصارع الملاريا وحمى الضنك، حتى لا يشغل نفسه بـ"توافه الأمور" كالمطالبة بالكهرباء والماء والتعليم.
تقول الشركات الاستكشافية إن حجة واعدة، ويقول الواقع إن القيادات واعدة أيضاً، ولكن بخراب مستدام. ففي عبس يتلظى الناس بلهيب الصيف، بينما يرى المسؤول أن الحل ليس في تشغيل محطات الكهرباء، بل في حث المواطنين على الصبر والاحتساب وممارسة رياضة "التهوية بالكرتون".
لقد نجحت هذه القيادات الانتهازية في تحويل المحافظة إلى متحف حي للبؤس البشري، حيث يمكنك أن ترى أحدث موديلات السيارات الفارهة للمسؤولين وهي تسير فوق طرقات محفرة تعود إلى العصر الحجري، وكأنها لوحة فنية بعنوان: "الانتهازية في مواجهة الجاذبية".
مسكينة أنتِ يا حجة.. النفط تحت أقدامها مدفون، وفي حسابات مسؤوليها مخزون. وبانتظار أن يستيقظ المارد الحجي ليغسل وجه المدينة بترابها الطاهر ويطرد لصوص الليل والنهار، سيبقى النفط تحت الأرض يبكي حظه، لأنه وقع بين أيدي قيادات لا تفقه من النفط سوى ثمن البرميل الذي يملأ جيوبها المنتفخة.
في قاع البؤس: "أم علي" وأوراق الشجر الطرية
تجلس "أم علي" (42 عاماً) واضعة يدها المتعبة على وجنتها الغائرة، بينما تترقرق الدموع في عينيها المنكسرتين وهي تنظر إلى طفلها الصغير المنطرح أرضاً من شدة الهزال. تبكي بنشيج مكتوم وهي تصف كيف تغلي أوراق شجر العلف في وعاء متسخ لتسكت به صراخ الجوع في بطون أطفالها خلال ليالي البرد.
لكن دموع العجز تتحول فجأة إلى نبرة حادة ومليئة بالقهر عندما تُسأل عن دور المسؤولين، فتقول:
"المساعدات الإنسانية تأتي بالقوافل والناقلات الضخمة أمام أعيننا، لكننا لا نرى منها إلا الغبار الذي تتركه وراءها. القيادات والمشرفون يتقاسمون الإغاثة في وضح النهار، ويملأون بها مخازنهم ويبيعونها في الأسواق لتمويل سياراتهم الفارهة وبيوتهم الجديدة، بينما يموت أطفالي جوعاً. هؤلاء لصوص محترفون، لا يسرقون طعامنا فقط، بل يسرقون أرواحنا ويعيشون على جثثنا."
في أروقة الموت: الطبيب الذي خذلته المنظومة
داخل الممر الكئيب والمظلم لمستشفى الجمهوري بمدينة حجة، يقف الدكتور "خالد" مسنداً رأسه إلى جدار بارد. يمسح وجهه الشاحب بيدين مرتعشتين تفوح منهما رائحة المعقمات الشحيحة. تلمع في عينيه غصة قاهرة وهو يتذكر الطفل الذي فارق الحياة قبل دقائق بين يديه؛ لم يكن بحاجة إلى معجزة، بل إلى أسطوانة أكسجين أو قِربة مغذٍّ عجز والده المعدم عن توفير ثمنها.
يطأطئ رأسه نحو الأرض، ثم يلتفت بنظرة يملؤها السخط، قائلاً:
"المستشفى ينهار حرفياً، والقيادات الإدارية والصحية في المحافظة لا تهتم إلا بفرض الجبايات وخصخصة ما تبقى من خدمات مجانية لصالح جيوبها الخاصة. الدعم الدولي وأموال المنظمات يذهبان مباشرة إلى ميزانياتهم السرية، وبدلات سفرياتهم ونثرياتهم الفاخرة. لقد تحولت جثث أطفال حجة ومعاناة مرضاها إلى تجارة رابحة يستجدون بها العالم ليملأوا حساباتهم الشخصية. نحن لا يديرنا قطاع صحي، بل تديرنا عصابة جشع."
على أرصفة التجهيل: المعلم الذي صار بائعاً
تجاعيد وجه الأستاذ "أبو محمد" (55 عاماً) تروي قصة ثلاثين عاماً قضاها في تربية أجيال المحافظة. واليوم يقف هذا التربوي القدير خلف عربة خشبية متهالكة لبيع الخضار في سوق المدينة.
يمسك بحبة طماطم بيد، ويمسح بالأخرى دمعة حارة سقطت رغماً عنه وهو يرى تلاميذه القدامى يمرون أمامه، بينما لا يملك ما يسد به رمق عائلته. يبكي بحرقة وهو يشاهد المدارس تتحول إلى مبانٍ مهجورة، وجيلاً كاملاً يتسرب إلى الشوارع أو جبهات القتال.
ثم تتحول نبرة صوته من البكاء إلى الغضب العارم وهو يشير بسبابته نحو المجمع الحكومي قائلاً:
"نحن أمام قيادات لصوص، يدركون تماماً أن وعي الناس وعلمهم يهدد كراسيهم ويفضح سرقاتهم، لذلك يتعمدون تجهيل حجة. قطعوا رواتبنا، وحولوا المدارس إلى ثكنات أو مشاريع استثمارية لجني الأموال، بينما أبناء هؤلاء المسؤولين يدرسون في أرقى المدارس الخاصة والجامعات في الخارج بأموال المحافظة المنهوبة. إنه تجهيل متعمد وممنهج لمدينة يُراد لها أن تعيش في الظلام."
قراءة في كف الغد: الناشط والمستقبل الأسود
في غرفة متواضعة خافتة الإضاءة، يجلس الشاب والناشط الحقوقي "أكرم" واضعاً يديه بين ركبتيه، شاخصاً ببصره نحو الفراغ. وفي عينيه مزيج من الرعب واليأس من القادم.
يتحدث بنبرة مثقلة بالقهر عن هجرة الكفاءات والعقول، وكيف أُفرغت حجة من نخبها، ولم يتبقَّ فيها سوى الخوف والجهل والفقر المدقع.
يرسم بيده خطاً وهمياً في الهواء ليعبر عن مسار المدينة، ثم يقول:
"مستقبل حجة مظلم كالحلك، لأنها تقع تحت وطأة قيادات حرامية بامتياز، لا تملك أي مشروع سوى مشروع الفيد والتكسب السريع. لا توجد أي رؤية للتنمية أو البناء، بل توجد خطط ممنهجة لكيفية امتصاص ما تبقى من دماء المواطن عبر الضرائب والجمارك والإتاوات غير القانونية. المدينة تلفظ أنفاسها الأخيرة، والقيادات الحالية تحفر قبرها بيديها. إنهم لا يبنون مدينة للمستقبل، بل يديرون إقطاعية خاصة لثرائهم الفاحش على حساب دمار المحافظة."
تحت سياط الجباية: التاجر المخنوق
خلف طاولة خشبية قديمة في دكانه الصغير بسوق حجة، يجلس أبو فضل، والهموم تبدو كأنها جبل جاثم فوق كتفيه. يقلب دفاتر ديونه بأصابع مرتعشة، وعيناه الحمراوان من قلة النوم تحدقان في الرفوف شبه الفارغة.
يجهش بالبكاء فجأة وهو يعترف بمرارة بعجزه عن توفير إيجار المحل أو حتى قيمة قفل باب الدكان، مؤكداً أنه بات يفكر في الانتحار هرباً من الفضيحة والعجز أمام أطفاله.
يمسح دموعه بطرف ثوبه، ثم يتحول انكساره إلى بركان من الغضب قائلاً:
"كل يوم يطرق بابي مشرف أو مسؤول جديد، يلوح بسلاحه ويطالب بجبايات وإتاوات تحت مسميات كاذبة وواهية لا تنتهي. إذا اعتذرت أو قلت إنني لا أملك، يُغلق المحل فوراً وأُسجن وأُهان. هؤلاء ليسوا قيادات دولة ولا مسؤولين، بل قطاع طرق يرتدون بدلات رسمية ومشالح فخمة. يسرقون لقمة عيش أولادنا ليمضوا هم وعائلاتهم الإجازات في الفلل والقصور، وتركوا لنا الركود والفقر والذل والخوف."
هذه هي حجة اليوم، التي كان يفترض أن يعيش فوق أرضها أناس منعمون كأنهم في جنة الدنيا. لكن لم يعد هناك فرق كبير؛ فالذين يعيشون فوق التراب ليسوا أفضل حالاً من الذين يعيشون تحته. الجميع موتى إلا قراصنة هذا الزمن.
لكِ الله يا حجة، والله غالب على أمره.