تحالف الشر.. كيف التقت مصالح الإخوان والحوثيين في جريمة جامع دار الرئاسة عام 2011
تظل جريمة تفجير جامع دار الرئاسة (جامع النهدين) في الثالث من يونيو 2011، والتي استهدفت رئيس الجمهورية الأسبق الزعيم علي عبدالله صالح وكبار أركان الدولة اليمنية، إحدى أخطر عمليات الإرهاب السياسي في تاريخ اليمن الحديث.
ورغم المحاولات المستمرة لتصنيف الجريمة كفعل معزول، فإن القراءة التحليلية العميقة لمسار الأحداث تكشف، وفق رؤية عدد من المراقبين والمحللين، عن مستوى عالٍ من التخادم المصلحي والاستراتيجي المتبادل بين تنظيم الإخوان المسلمين، ممثلاً بحزب التجمع اليمني للإصلاح والفرقة الأولى مدرع آنذاك، وعصابة الحوثي، حيث التقت أهداف الطرفين عند نقطة واحدة تمثلت في إضعاف مؤسسات الدولة اليمنية وتفكيك بنيتها القيادية.
ويشير مراقبون إلى وجود تقاطع في المصالح بين جماعة الإخوان المسلمين والحوثيين خلال مراحل الصراع اليمني، مستندين إلى جملة من المؤشرات التي يرون أنها تعكس حالة من التخادم السياسي غير المعلن بين الطرفين، رغم التباينات الفكرية والعقائدية الواضحة بينهما.
ويتجلى هذا التقاطع، بحسب تلك الرؤية، في الاستفادة المشتركة من إضعاف السلطة القائمة آنذاك، وظهور مواقف متقاربة في بعض الملفات المرحلية.
ولم تكن جريمة تفجير جامع دار الرئاسة مجرد حدث عابر في سياق الأزمة السياسية اليمنية، بل مثلت نقطة تحول مفصلية التقت عندها مصالح أطراف بدت في ظاهر المشهد متناقضة. فقد أفرزت الجريمة، وفق رؤية عدد من المحللين، نمطاً من التخادم الوظيفي الذي تقاسمت فيه جماعة الإخوان وعصابة الحوثي الأدوار والمكاسب، وتوزعت ثماره على مسارات إعلامية وسياسية وميدانية وقضائية.
وعقب وقوع التفجير مباشرة، برز تنسيق لافت بين المطابخ الإعلامية للطرفين في ساحات الاعتصام بصنعاء وعدد من المحافظات، حيث توحدت الروايات الإعلامية الصادرة عن المنصات التابعة لهما في محاولة لتوجيه الرأي العام نحو تفسيرات بعينها تخدم الجهات المستفيدة من الجريمة.
وسارعت تلك الوسائل إلى الترويج لروايات تتحدث عن انفجار داخلي أو خلل فني أو تصفية حسابات بين أجنحة النظام، في مسعى لتشتيت الانتباه عن الجهة المنفذة ومنع توجيه الاتهام إلى القوى التي استفادت من غياب قيادات الدولة جراء هذه الجريمة.
وبالتوازي مع ذلك، استغلت القيادات السياسية للطرفين نفوذها المتصاعد في ساحات الاحتجاج، ثم داخل مؤسسات حكومة الوفاق الوطني، للضغط باتجاه عرقلة مسار التحقيقات الجنائية والسعي إلى تدويل الملف أو إخضاعه للمساومات السياسية ضمن ترتيبات التسوية، بما يضمن عدم وصول الجهات المختصة إلى المسؤولين عن التخطيط والتنفيذ.
وعلى الصعيد الميداني والعسكري، كانت المنظومة الأمنية والعسكرية المحيطة بدار الرئاسة، والمتمثلة في قوات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة، تمثل خط الدفاع الأكثر صلابة في مواجهة التمرد الحوثي خلال الحروب الست في صعدة، كما كانت تشكل في الوقت ذاته العائق الأبرز أمام طموحات جماعة الإخوان في بسط نفوذها الكامل على القرار السياسي والعسكري.
وقد تسببت الجريمة في إحداث فراغ داخل هرم قيادة الدولة، وأدخلت مركز القرار السياسي والعسكري في حالة من الارتباك والشلل المؤقت، وهو ما وفر فرصة مواتية لعصابة الحوثي لتوسيع نفوذها العسكري خارج نطاق صعدة والانطلاق نحو محافظات أخرى، مستفيدة من انشغال الدولة بأزماتها الداخلية.
كما أسهم التمرد العسكري الذي قادته ألوية الفرقة الأولى مدرع في توفير غطاء ميداني ولوجستي غير مباشر للجماعات المسلحة التابعة للطرفين، الأمر الذي سمح للخلايا الحوثية بالتغلغل التدريجي داخل مؤسسات الدولة والنسيج المجتمعي للعاصمة صنعاء، في مسار يراه مراقبون تمهيداً لسقوط صنعاء لاحقاً تحت شعارات سياسية ومطلبية مختلفة.
وخلال السنوات التالية للجريمة، تجلت آثار هذا التخادم بين جماعة الإخوان المسلمين ممثلة بحزب الإصلاح وعصابة الحوثي في مسار العدالة والقضاء، حيث تعرضت التحقيقات والمحاكمات لضغوط سياسية وحزبية وعسكرية حالت دون الوصول إلى أحكام نهائية بحق جميع المتهمين الذين تم القبض عليهم.
كما أن ارتباط عدد من الموقوفين بجهات حزبية فاعلة في ساحات الاعتصام جعل من ملف القضية ساحة صراع سياسي وقانوني معقدة، سعت خلالها قوى نافذة إلى منع كشف الجهات المحرضة أو الداعمة.
وشهد الملف لاحقاً عمليات إفراج عن عدد من المتهمين ضمن تفاهمات وصفقات تبادل مختلفة جرت بعد سيطرة عصابة الحوثي على العاصمة صنعاء، وهو ما اعتبره مراقبون دليلاً على وجود مصلحة مشتركة في إغلاق القضية ومنع استكمال مسارها القضائي.
ومن هذا المنطلق، يرى عدد من المحللين أن جريمة جامع دار الرئاسة لم تكن مجرد محاولة لاستهداف قيادة سياسية، بل شكلت منعطفاً خطيراً في مسار الدولة اليمنية، وكشفت عن تقاطعات مصلحية بين أطراف متباينة أيديولوجياً، لكنها التقت عند هدف إضعاف مؤسسات الدولة وتقويض ركائز الاستقرار السياسي والأمني، بما مهد الطريق لمراحل لاحقة من الصراع والانقسام والحرب التي ما تزال البلاد تعاني من تداعياتها حتى اليوم.