حين يصبح الفقر أداة حكم

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ليست كل وسائل القمع أبواب سجون وحديداً وأسواراً عالية. هناك أنظمة وجماعات تدرك أن إفقار الناس أكثر فاعلية من اعتقالهم، وأن إشغال المواطن بلقمة عيشه وفاتورة منزله كفيل بإبعاده عن أي تفكير آخر، سياسي كان أم حقوقياً أو حتى اجتماعياً.

هذا ما يبدو أن مليشيا الحوثي تمارسه في المناطق الخاضعة لسيطرتها، عبر سياسات متراكمة أثقلت كاهل المواطنين بالديون والأعباء المعيشية المتزايدة. فالمواطن هناك لا يواجه أزمة واحدة، بل سلسلة طويلة من الأزمات تبدأ من أسعار الكهرباء والمياه والإنترنت والغاز، ولا تنتهي عند الرسوم المدرسية والجامعية التي أصبحت عبئاً يفوق قدرة كثير من الأسر على الاحتمال.

النتيجة أن المواطن يجد نفسه في معركة يومية لتأمين أساسيات الحياة. وعندما ينشغل الإنسان بتدبير تكاليف المعيشة وسداد الفواتير المتراكمة، تتراجع لديه القدرة على متابعة الشأن العام أو المطالبة بحقوقه أو حتى التفكير في مستقبله. إنها وصفة قديمة في السياسة، لكنها تُمارس هنا بصورة أكثر قسوة وتنظيماً.

وفي قطاع التعليم تتجلى الأزمة بصورة واضحة. فالعام الدراسي الذي يفترض أن يكون فترة للتحصيل العلمي تحول إلى ما يشبه "ماراثوناً عقابياً" يمتد على مدار العام تقريباً. ويستشهد أكاديميون وطلاب بحالات تبدأ فيها الدراسة مع مطلع العام الهجري، فيما تستمر الامتحانات حتى الأيام الأخيرة من ذي الحجة، في مخالفة لما هو متعارف عليه في الأنظمة التعليمية الطبيعية التي تتيح للطلاب وأسرهم فترات راحة واستعداد معقولة.

ولا تقف الأعباء عند حدود الدراسة أو الخدمات العامة. فشكاوى المواطنين من رداءة الوقود وتكرار الأعطال الميكانيكية في سياراتهم أصبحت حديثاً يومياً، ما يضيف نفقات جديدة إلى قائمة طويلة من المصاريف المفروضة عليهم. وحتى الرحلات القصيرة أو محاولات الترفيه المحدودة خلال الإجازات أصبحت مكلفة إلى درجة تدفع كثيرين إلى العزوف عنها.

وإذا عاد المواطن إلى منزله بعد يوم مثقل بالمشكلات الاقتصادية، وجد نفسه أمام سيل من المحتويات السطحية والترندات العابرة والمهرجانات الاستعراضية التي تملأ شاشات الهواتف، وكأن المطلوب أن يبقى منشغلاً بكل شيء إلا بما يمس حياته ومستقبله مباشرة.

و في النهاية، قد لا تحتاج بعض الجماعات إلى بناء المزيد من السجون. يكفي أن تجعل الحياة نفسها سجناً مفتوحاً، وأن يتحول البحث عن الضروريات إلى مهمة يومية تستنزف الوقت والجهد والطاقة. عندها يصبح الفقر أداة حكم، وتتحول المعاناة المعيشية إلى وسيلة فعالة لإبعاد الناس عن الأسئلة الكبرى التي تقلق أصحاب السلطة.