الحوثي يصعّد... والشرعية صامتة
في الوقت الذي تواصل فيه مليشيا الحوثي الإرهابية، المدعومة من إيران، تصعيدها العسكري واستهدافها للمدنيين في أكثر من محافظة يمنية، يزداد حضور سؤال ملح في الشارع اليمني: أين الحكومة الشرعية؟ ولماذا يبدو موقفها باهتًا أمام هذا التصعيد المستمر الذي يهدد حياة المواطنين ويقوض أي فرص للاستقرار؟
فجر الاثنين، شنت مليشيا الحوثي هجومًا واسعًا على مواقع القوات المشتركة في جبهات مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة، في محاولة جديدة لفرض واقع عسكري بالقوة، غير أن الهجوم انتهى بخسائر كبيرة في صفوف المليشيا بعد مواجهات عنيفة مع القوات المدافعة عن مواقعها، في تأكيد جديد على أن الحوثيين لا يزالون يراهنون على السلاح والحرب، غير مكترثين بمعاناة اليمنيين أو الدعوات الإقليمية والدولية للتهدئة.
وفي محافظة البيضاء، واصلت المليشيا مسلسل استهداف المدنيين، بعدما استهدفت بطائرة مسيّرة شقيقين يعملان في الزراعة بمديرية الزاهر، في جريمة تعكس استمرار سياسة الإرهاب التي تنتهجها الجماعة بحق السكان، وتحويلها حياة المواطنين إلى أهداف عسكرية حتى في الحقول ومناطق العمل المدني.
هذه الجرائم والانتهاكات تأتي في وقت تتسع فيه دائرة الغضب الشعبي من استمرار المليشيا في استخدام القوة والعنف وسيلة لفرض مشروعها، بينما يظل الأداء الرسمي للحكومة الشرعية دون مستوى التحديات، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي أو الإعلامي، وهو ما يمنح الحوثيين مساحة أوسع للاستمرار في التصعيد دون أن يواجهوا موقفًا وطنيًا موحدًا يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها.
وفي المقابل، برزت خلال الأيام الماضية مشاهد الحشد القبلي في مطارح الريان، التي تحولت إلى رمز للتضامن الاجتماعي والاستجابة لنداءات النخوة والكرامة. فقد أظهرت القبائل اليمنية مرة أخرى قدرتها على التكاتف والتفاعل مع القضايا الوطنية، في رسالة تؤكد أن المجتمع لا يزال يمتلك عناصر القوة والإرادة للدفاع عن كرامته وقيمه.
غير أن هذا الزخم الشعبي، على أهميته، لا يمكن أن يحقق أهدافه ما لم يُترجم إلى مشروع واضح المعالم، يقوم على رؤية سياسية وميدانية متماسكة، تحدد بوضوح الخطوات المقبلة وآليات التنفيذ، والإجابة عن الأسئلة الجوهرية التي يطرحها الجميع: ماذا بعد هذا الحشد؟ وكيف سيتم استثمار هذا الالتفاف القبلي؟ وما هي وسائل تحقيق الأهداف؟ وكيف ستتم إدارة أي تصعيد محتمل؟ وما خطط الإمداد والدعم اللوجستي التي تضمن استمرارية التحرك؟
إن بقاء هذه التساؤلات دون إجابات واضحة قد يؤدي إلى تراجع الزخم الشعبي، في حين أن وجود قيادة تمتلك رؤية واستراتيجية سيكون كفيلًا بتحويل هذا الحراك إلى قوة وطنية فاعلة تسهم في حماية المجتمع ودعم مؤسسات الدولة.
اليوم، تبدو اليمن أمام معادلة واضحة؛ فمليشيا الحوثي مستمرة في مشروعها القائم على الحرب، واستهداف المدنيين، وتقويض الأمن والاستقرار، بينما يحتاج معسكر الشرعية إلى مراجعة جادة لأدائه، والانتقال من ردود الفعل إلى الفعل السياسي والعسكري المنظم. فالدولة لا تُبنى بالصمت، ولا تُستعاد هيبتها ببيانات الإدانة وحدها، وإنما عبر حضور فاعل في الميدان، وتوحيد الصف الوطني، ودعم القوات المسلحة، واحتضان المبادرات المجتمعية ضمن مشروع وطني جامع.
إن استمرار التجاوزات الحوثية، مقابل غياب المبادرة الرسمية، يفاقم من معاناة اليمنيين، ويمنح المليشيا مزيدًا من الوقت لترسيخ انقلابها. أما استعادة الدولة، فتبدأ بقرار سياسي شجاع، وإرادة وطنية موحدة، وخطة واضحة تعيد للمواطن ثقته بأن هناك دولة تقاتل من أجله، لا سلطة تكتفي بمراقبة الأحداث من بعيد.