اليمن بين وهم "خارطة الطريق" وحقيقة السيادة المستباحة
بدأتُ أضيق ذرعًا بمصطلحات المجتمع الدولي التي تبدو رنانة وفضفاضة في قاعات جنيف ونيويورك، بينما تتحول على أرض الواقع إلى سراب يطارد فيه الظمآن ماءً، ولعل أبرز هذه المصطلحات السائدة اليوم هو "خارطة الطريق" في اليمن، وهي خارطة يبدو أن واضعيها نسوا، أو تناسوا، أن الطرف الآخر فيها لا يملك من أمره شيئًا، وأن بوصلته لا تتجه صوب صنعاء أو عدن، بل تُدار بالكامل من غرف العمليات في طهران.
إن الحديث اليوم عن تسوية سياسية أو تفاهمات مع جماعة الحوثي هو نوع من العبث السياسي الذي دفع اليمنيون ثمنه سنوات من الدماء والدمار، والحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة هي أنه لا جدوى من أي خارطة طريق مع جماعة اعتادت الالتفاف على العهود، وتحترق شوقًا لتقديم اليمن قربانًا على مذبح المصالح الإقليمية الإيرانية، وتصر على الزج بالبلاد في صراعات لا ناقة لليمنيين فيها ولا جمل.
وما حدث مؤخرًا من اختراق سافر للأجواء اليمنية بواسطة طائرة إيرانية غير مرخص لها من قبل هيئة الطيران الحكومية، ليس مجرد حادثة عابرة أو خطأ تنسيقي، بل هو عدوان صريح وانتهاك صارخ للسيادة الوطنية، وامتداد مباشر للحرب الإيرانية المفتوحة على اليمن، وهي خطوة تكشف بوضوح عن مساعٍ محمومة لفتح جبهات تصعيد جديدة في البحر الأحمر وباب المندب، لتبث طهران رسالتها الواضحة بأن اليمن مجرد منصة لإطلاق الصواريخ وحقل تجارب لطائراتها المسيّرة.
وهنا أتساءل بكثير من المرارة: كيف يمكن لـ"خارطة طريق" أن تنجح بينما أجواء البلاد مستباحة لطيران الحرس الثوري؟ وكيف يمكن بناء سلام مع جماعة تزج ببلادها وشعبها في صراعات دولية لخدمة نفوذ الملالي؟
إن مواجهة هذا الصلف الإيراني والتواطؤ الحوثي لا يمكن أن تتم ببيانات الإدانة الإنشائية أو بالانتظار السلبي لما ستسفر عنه جولات المبعوثين الدوليين، فالأمر يتطلب اليوم من أبناء الشعب اليمني بمختلف مكوناتهم وقواهم الوطنية توحيد الصفوف واستشعار الخطر الوجودي الذي يهدد عروبة اليمن وسيادته، والاستعداد التام للدفاع عن كرامة بلادهم ومواجهة هذه التدخلات الخارجية السافرة.
وفي الوقت نفسه، يتوجب على مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية الاضطلاع بمسؤولياتهما الدستورية والقانونية كاملة دون مواربة أو تردد، واتخاذ إجراءات حازمة ورادعة تضع حدًا لهذه الانتهاكات المتكررة، وتُفهم طهران وأدواتها المحلية أن لسيادة اليمن درعًا وسيفًا يحميها.
ووسط هذا الركام من الأزمات، لا بد من الإشادة بمواقف الأشقاء والأصدقاء الذين لم يتخلوا عن اليمن في أحلك ظروفه، وفي مقدمة هؤلاء التحالف العربي لدعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، حيث يمثل دعمهم المستمر لليمن، ورفضهم الحاسم للتصعيد الإيراني والحوثي المشترك، صمام الأمان المتبقي لحماية ما تبقى من سيادة الجمهورية اليمنية، وهو دعم يترجم عمق الروابط الأخوية وإدراك المملكة بأن أمن اليمن وأمن الخليج هما كلٌّ لا يتجزأ.
لقد سئم اليمنيون الوعود والخطط التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وخارطة الطريق الحقيقية لا تُكتب بحبر الدبلوماسية الدولية العاجزة، بل تُرسم بقرارات حاسمة، وبصف وطني واحد يرفض التبعية ويلفظ الوصاية الإيرانية. فإذا لم يستيقظ الجميع اليوم على حقيقة أن السيادة اليمنية تُنتهك جهارًا نهارًا، فقد لا نجد غدًا يمنًا نتفاوض على خارطة طريقه.