بتروا أطرافنا.. ثم بتروا وعودهم.. أبطال على خط النار.. متسولون على أبواب الوزارات

بتروا أطرافنا.. ثم بتروا وعودهم..   أبطال على خط النار.. متسولون على أبواب الوزارات
مشاركة الخبر:

يحدث في هذا الجزء المنسي من العالم أن تُقاس الوطنية بعدد الأطراف المفقودة، ويُقاس الولاء بحجم التشوهات التي تتركها الشظايا على الأجساد. إن ملف الجرحى وضحايا ألغام مليشيا الحوثي ليس مجرد حبر على ورق، بل هو أحجية متشابكة من الأوجاع، تعجز كبرى أجهزة الاستخبارات عن تفكيك شفراتها المالية والإدارية.

هنا، في ممرات المستشفيات المظلمة وخيام المنسيين، تحوّل الجرحى إلى "رأسمال استثماري" ناجح جداً، يدر ملايين الدولارات من المساعدات، لكنها دولارات سحرية تختفي بمجرد عبورها بوابات الوزارات واللجان الطبية، لتظهر لاحقاً على هيئة سيارات فارهة وشقق في العواصم الإقليمية لـ"قادة المعارك" الذين لم يخدشهم حتى ناموس الصيف!

ساق خشبية لزمن تكنولوجي
التقينا بـ(صالح محمد)، بطل سابق فقد ساقيه بلغم أرضي حوثي كان يترصد أحلامه. يجلس صالح على كرسي متحرك أصابه الشلل هو الآخر. سألناه عن دور القيادة، فضحك حتى دمعت عيناه وقال:"القيادة لم تقصر، لقد صرفت لي وزارة الدفاع رابطاً إلكترونياً لأقدم عبره طلباً للعلاج! تصور، أنا بلا قدمين، وهم يطلبون مني أن أركض خلف سيرفر الوزارة الذي يعاني من غيبوبة دائمة. لقد سئمت من وعودهم، والآن أقوم بتدريب طفلي الصغير على دفع كرسيي المتحرك، لأنني غسلت يدي من وعود الكراسي الفاخرة التي يجلسون عليها. ليس بيدي سوى القول: أمرهم إلى الله."

تحولت من أسد إلى معاملة برقم متسلسل  
البطل الخالد.. المنتهي الصلاحية!
(خالد)، أصيب بطلقة في العمود الفقري في إحدى معارك تحرير تعز، جعلته طريح الفراش. يقول والدمعة حائرة في عينيه، بنبرة ساخرة:"حين كنت بكامل صحتي، كان القائد يسميني أسد الجبهة ويقبل رأسي في كل صورة. وبعد الإصابة تحولت من أسد إلى معاملة برقم متسلسل ضاعت بين دهاليز وزارة المالية واللجنة الطبية العليا. ذهبت لطلب ميزانية للسفر للعلاج، فقال لي مدير مكتب المسؤول: احمد ربك أنك ما زلت حياً، غيرك ماتوا ولم يطلبوا شيئاً. يبدو أن القادة يفضلوننا شهداء تحت التراب، فالشهيد يكتفي بمنشور تعزية مجاني على فيسبوك، أما الجريح الحي فهو مزعج ومكلف لميزانية سفرياتهم الصيفية."

عين الحكمة
جلسنا مع طبيب في إحدى اللجان الطبية الموقرة، وسألناه عن سبب تأخير إحالة جريح يحتاج إلى عملية تركيب شريحة في ساقه، فكان رده:"اسمع يا صديقي، الطب علم، لكن الإدارة فن. الجريح الذي تراه أمامك يعاني من غرغرينا، لكنه في نظر اللوائح حالة غير طارئة ما لم تكن هناك موافقة مسبقة من الوزارة. نحن لا نقصر، فنحن نوفر للجريح نصيحة طبية مجانية بالصبر، ونوزع عليه مسكنات ألم منتهية الصلاحية لنفرغ المخازن. أليس الحفاظ على ميزانية المستشفى من التبذير عين الحكمة؟ الجريح قد يشفى غداً، لكن ميزانية المستشفى إذا نُهبت اليوم لن تعود!"

نصحني موظف ببيع أثاث منزلنا لمعالجة ابني  
أم الشهيد والجريح التي فقدت صوتها
التقينا بـ(الحاجة فاطمة)، أم لثلاثة جرحى، كانت تجلس في ردهة الوزارة منذ الفجر، فقالت:
"جئت بملفات أبنائي، فقالوا لي: تعالي غداً. عدت غداً، فقالوا: المسؤول في مهمة خارجية لمناقشة حقوق الإنسان. هل حقوق الإنسان تشمل ابني الذي يزحف على الأرض؟ لقد تعلمت أن أصمت، لأنهم إذا رأوا دموعي يظنون أنني أطلب صدقة، بينما أنا أطالب بحق أُكل بالباطل. نصحني أحد الموظفين ـ جزاه الله خيراً ببرود أعصابه ـ أن أبيع أثاث منزلي لأعالجهم، لأن الوطن يحتاج إلى تضحية. ويبدو أن التضحية مكتوبة فقط على جباهنا نحن الفقراء، أما هم فالوطن بالنسبة لهم مغنم موزع على فخامة المكاتب!"

المتمرس في أروقة المحاكم  
العدو في الخندق أفضل من الصديق في المستشفى
(عمر)، جريح بُترت يده في الجبهة، قضى عامين في أروقة المحاكم والنيابات للمطالبة بمستحقاته، قال:"في البداية كنت أظن أنني سأحارب الفساد كما حاربت الأعداء، لكنني اكتشفت أن العدو في الخندق كان يواجهني بوضوح، أما عدوي اليوم فيرتدي ربطة عنق ويطلب مني رشوة لتعجيل معاملة صرف طرف صناعي يملكه هو أصلاً كعهدة. لقد وصلت إلى مرحلة أتمنى فيها لو فقدت يدي الأخرى، لعلهم يمنحونني معاملة أسرع. ففي هذا البلد، كلما كنت أكثر عجزاً زادت نسبة الخصم من حقك في جيوب السادة المسؤولين. لقد فهمت اللعبة: هم لا يبنون وطناً، بل يبنون أرصدة فوق قبورنا!"

ننتظر أن تمطر السماء مساعدات دولية.. 
الطرف الآخر.. رد المسؤول المبتسم
توجهنا بالملف الشائك إلى أحد المسؤولين عن ملف الجرحى ـ رفض ذكر اسمه خوفاً على هيبة منصبه ـ وكان يجلس خلف مكتب فخم ويمسك بهاتف آيفون من أحدث طراز. سألناه: أين تذهب مخصصات الجرحى؟
فأجاب والابتسامة لا تفارق شفتيه:"أخي العزيز، أنت لا تدرك حجم المؤامرة! نحن نعاني من شح الموارد، ولكي نثبت للعالم أننا نهتم بجرحانا، قمنا الأسبوع الماضي برعاية ورشة عمل دولية في فندق خمس نجوم لمناقشة الآثار النفسية للأطراف المبتورة. كلفتنا الورشة مئة ألف دولار فقط، وخرجنا بتوصية عظيمة هي: حث الجرحى على الصبر والدعاء للقيادة بالثبات. أليس هذا إنجازاً؟ أما بخصوص العمليات الجراحية، فنحن ننتظر أن تمطر السماء مساعدات من الدول المانحة!"

إن نظرة فاحصة إلى هذا الملف المتشابك تكشف عن "معادلة رياضية مقلوبة": كلما زاد عدد الجرحى، زادت ثروات القائمين على ملفاتهم.
فالقيادات المسؤولة لا ترى في الجريح إنساناً قدم أغلى ما يملك، بل تراه مستند صرف أو فاتورة يستعرضون بها أمام المنظمات الدولية لاستدرار العواطف والمنح. أما البيروقراطية المتعمدة واللجان المتعددة فليستا سوى فلاتر لإنهاك الجريح حتى يتنازل عن حقه أو يموت كمداً، فتتوفر الميزانية لرفاهية المسؤولين.
إنها كوميديا سوداء، يُطالب فيها من لا يملك أقداماً بالوقوف إجلالاً لمن لا يملك ضميراً!
وهناك جرحى كانوا يعتقدون أنهم أوفر حظاً من غيرهم عندما أُرسلوا للعلاج في الهند ومصر والأردن، إلا أن مصيبتهم كانت أكبر حين اكتشفوا وجود فواتير بآلاف الدولارات لم تُسدد، وأصبحوا مهددين بالطرد وعدم استكمال العلاج. تحولوا داخل المشافي إلى منبوذين، وتعرضوا لمعاملة سيئة بسبب الفساد ومحاولات بعض القائمين على علاجهم وتسفيرهم اقتطاع جزء من الأموال المعتمدة لعلاجهم.
وفي المقابل، هناك جرحى بإصابات أقل خطورة يتلقون الرعاية الكاملة وتُنفق عليهم أموال طائلة بسبب انتماءاتهم الحزبية، بينما يشكو آخرون من الإهمال والتجاهل.

الختام
سيبقى ملف الجرحى وضحايا الألغام وصمة عار لا تمحوها خطاباتكم الرنانة ولا صوركم الاستعراضية في المشافي. فالجرحى لا يريدون دموعاً دبلوماسية ولا وعوداً تويترية، بل يريدون حقوقاً انتُزعت منهم في سوق نخاسة المناصب.

وإلى أولئك المسؤولين القابعين خلف المكاتب المكيفة نقول: إذا كان الكذب ينجيكم في الدنيا، فإن أقدام الجرحى المبتورة ستسبقكم إلى محكمة العدل الإلهية، وهناك لن تجدوا حراساً يمنعونهم من الدخول، ولن تجدوا واسطة تؤجل جلسة الحساب.