مدينة في قاع الجحيم الحياة لم تعد تُطاق، والبيوت تحولت إلى معتقلات في عدن
تغرق عدن في ظلامٍ دامس، ليس لغياب الشمس، بل لغياب الضمائر، حيث يُكتب التاريخ هنا بمدادٍ من عرقِ المقهورين ودموعِ الأمهات في ليالي الصيف التي تنهش أجساد الصغار وتذيب أثاث المنازل قبل أن تُذيب أعصاب القاطنين. عشرون ساعة من "الظلام الحالك" هي حصتنا اليومية، بينما تمنحنا السماءُ واللصوصُ أربع ساعاتٍ يتيمة من الضوء الخافت، وكأنها صدقةٌ جاريةٌ في محراب العبث.
لقد تحولت "عروس البحر" إلى عجوزٍ هرمة، ينهش جسدها فسادُ من لا دين لهم ولا وطن، يتفننون في إدارة الأزمات لا في حلها، يرقصون على جراحات الناس وهم يقبضون ثمن المعاناة في فنادق الخارج، بينما يغرق الداخل في دوامة الانهيار.
المائة وخمسون مليون دولار التي جاءت كـ"منحةٍ سعودية" لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ذابت كما يذوب الثلج تحت شمس عدن المحرقة، ولم يرَ المواطنُ منها إلا دخان مولداتهم المهترئة وفواتيرهم التي تأتينا كصكوك غفران لخطايا لم نقترفها. هل هي سحرٌ أسود؟ أم لصوصٌ يمتلكون قدرة "التبخير" المالي؟ أم أنها مجرد ثقبٍ أسود في ميزانية الدولة يُبتلع فيه كل بصيص أمل؟
الحقيقةُ أننا لا نعيش في مدينةٍ تعاني من نقص الطاقة، بل في سجنٍ كبيرٍ يُدار من قبل لصوصٍ محترفين، يسرقون الهواء والضوء ويتركون لنا "الوعود الفضائية" التي لا تُضيء مصباحاً، ولا تُبرّد كوب ماء، ولا تُغني عن صبرٍ قد فاضت كؤوسه ولم يعد يجد متسعاً للمزيد.
شهادات من رصيف المعاناة: حين ينطق الوجع
أحمد سالم (موظف حكومي) قال: هل تتخيل أنني أستيقظ كل صباح لأذهب إلى عملي بملابس مبللة بالعرق، وكأنني خضت معركة في وحلٍ وليس في مكتبٍ رسمي؟ نحن هنا لا نعيش، نحن ننتظر الموت البطيء في غرفٍ أشبه بالفرن، والكهرباء التي من المفترض أن تكون أبسط حقوقنا تحولت إلى أسطورة نتحاكى بها في المقايل. أين ذهبت المائة وخمسون مليون دولار؟ هذا السؤال يتردد في كل زاوية من عدن، بينما المسؤولون يخرجون علينا بابتساماتٍ صفراء يبررون فيها العجز بنقص الوقود أو أعطال الشبكة، وهم يعلمون جيداً أن هذه الملايين كانت كفيلة بتحويل حياة هذه المدينة إلى جحيمٍ مُبرّد، لكنهم فضلوا أن يبرّدوا حساباتهم البنكية بدلاً من تبريد بيوت الناس. نحن لا نحتاج إلى تقارير إخبارية، نحن نحتاج إلى رؤوسٍ تسقط، ونحتاج إلى عدالةٍ تُعيد لنا حقنا المسلوب من أيدي الذين باعوا ضمائرهم بالشحوم والدولارات.
الحياة لم تعد تطاق، والبيوت تحولت إلى معتقلات
سارة عبد الله (ربة منزل) قالت:
"أطفالي يبكون كل ليلة من شدة الحر، وجلودهم تقرحت بسبب الحساسية التي لا تفارقهم، وأنا أقف عاجزة لا أملك إلا مروحة يدوية من ورق. أنظر إلى ثلاجتي، لقد أصبحت مقبرة للطعام الذي يفسد قبل أن نستفيد منه، فكيف لنا أن نعيش في ظل هذا العبث؟
المنحة السعودية لم تكن منحةً للناس، بل كانت وليمةً للذئاب الذين يرتدون ربطات العنق ويدّعون الوطنية. والله إن كل طفل يمرض بسبب حرارة الصيف في عدن هو في رقبة كل مسؤول سرق دولاراً واحداً من هذه المنحة.
فالحياة لم تعد تطاق، والبيوت تحولت إلى معتقلات لا هوية لها إلا الصمت المرير. لقد كنا نصبر ونقول: 'الفرج قريب'، ولكن أي فرجٍ هذا الذي يأتي ونحن نحترق أحياء؟
إنني لا أطالبهم بالاعتذار، فأنا أعلم أن الاعتذار لا يبرد غرفنا، بل أطالبهم بالرحيل، الرحيل عن هذه المدينة التي لم يورثوها، بل نهبوها جهاراً نهاراً."
استراتيجية لنهب الملايين
محمود ياسين (مهندس كهرباء) قال:"من الناحية التقنية البحتة، المبلغ المذكور كان قادراً على إعادة تأهيل الشبكة الوطنية بشكل كامل، وليس فقط شراء وقود لأشهر قليلة.
نحن لا نعاني من عجز في التقنية بقدر ما نعاني من 'إرهاب إداري' مقصود؛ فالمولدات الموجودة يتم استهلاكها حتى الرمق الأخير لضمان بقاء حاجة مستمرة لشراء قطع غيار ووقود من شركات تابعة لنفس المسؤولين.
إنهم يديرون المنظومة وكأنها شركة خاصة يمتلكونها، والمال العام يُهدر تحت بند 'الصيانة التشغيلية' التي لا وجود لها على أرض الواقع. كلما تعطل محرك قالوا: 'نحتاج وقوداً'، وكلما توفر الوقود قالوا: 'المحرك قديم'.
هذه الحلقة المفرغة هي استراتيجية لنهب الملايين، والكل يعرف ذلك، من أكبر رأس في السلطة إلى أصغر عامل في المحطة. نحن نرى التلاعب بأم أعيننا، ونرى كيف يتم تحويل الصيانة إلى 'غسيل أموال' علني، بينما المهندسون الشرفاء مثلي يُمنعون من إصلاح الخلل الحقيقي كي لا تنكشف خيوط لعبتهم القذرة."
عقاب جماعي
فاطمة عبدالله (ناشطة مجتمعية) قالت:في كل مرة يرتفع فيها صوت الناس للمطالبة بلقمة العيش أو بالكهرباء، يتم زيادة ساعات الانطفاء كعقاب جماعي.
المائة وخمسون مليون دولار ذهبت في ثقوب سوداء يصعب تعقبها، لأن المستفيدين هم أنفسهم من يضعون القوانين وهم أنفسهم من يراقبون تنفيذها.
لقد رأينا مشاريع وهمية تُطرح في المناقصات، وشخصيات ذات نفوذ تتوسط لشركات الوقود الفاسد التي تورد لنا ديزلاً لا يصلح حتى لتشغيل مولدات بدائية.
إنهم يمارسون علينا نوعاً من القهر السيكولوجي، حيث يجعلوننا نركض خلف لترات البنزين والديزل، بينما يهربون هم بملياراتنا نحو القاهرة وإسطنبول والرياض.
يجب أن يعلم هؤلاء أن الصمت الشعبي ليس رضاً، بل هو شحذٌ للهمم، وأن اليوم الذي ستنفجر فيه غضبة الشارع لن تنجيهم منه ملايينهم المنهوبة ولا قصورهم المحصنة."
فضل الصبيحي (صاحب متجر) قال:"تخيل أنني أفتح محلي يومياً فقط لأرى بضاعتي تتعفن أمام عيني، وأدفع إيجارات باهظة لمدينة لا تمنحني حتى الحد الأدنى من مقومات التجارة.
لقد فقدتُ زبائني لأن محلي مظلم، وخسرتُ رأس مالي في ثلاجات لا تعمل، بينما اللصوص في المؤسسة يطلبون مني 'رسوم تحسين الخدمة' التي لم تصل يوماً.
أين المائة وخمسون مليون دولار؟
اسألوا أصحاب السيارات الفارهة التي تتجول في الشوارع، اسألوا أصحاب الفلل التي لا تنطفئ فيها الأنوار ولو لثانية واحدة.
نحن نعيش في غابة، القوي فيها يلتهم الضعيف، والكهرباء هي الضحية الأولى في هذه الغابة. لقد فاض بنا الكيل، وبات المواطن اليوم يتمنى لو أن المسؤولين يخرجون يوماً واحداً ليعيشوا معنا هذا الانطفاء المهين، ليذوقوا مرارة أن تشعر بالظلم في بيتك.
ولكن هيهات، فهم يعيشون في عالم موازٍ، عالمٍ أُسس على أنقاض أحلامنا وعلى فتات أموال المنح التي كان من المفترض أن تنير دروبنا."
جرأة في السرقة غير معقولة
منير حسين (متقاعد) قال:
"عشتُ في هذا الوطن عقوداً، وشهدتُ تحولات كثيرة، لكنني لم أرَ في حياتي جرأة على السرقة كما أراها اليوم. في السابق كان اللص يسرق في جنح الظلام ويخشى الفضيحة، أما اليوم فاللص يسرق الملايين من منحة دولية، ثم يخرج في التلفاز ليحدثنا عن 'تحديات المرحلة' و'صعوبات التمويل'. أي تحديات هذه؟ إنها تحديات سرقة الأموال وتبييضها. أنا كمتقاعد لا أستطيع دفع فاتورة الكهرباء التي تأتي خيالية، بينما الضوء لا يأتي إلا ساعات معدودة. إنهم يقتلون فينا كل معنى للحياة.
المائة وخمسون مليون دولار هي أمانة في أعناقهم، ستلاحقهم في دنياهم قبل آخرتهم، وسيبقى التاريخ شاهداً على أن عدن كانت ضحية لمجموعة من الفاسدين الذين لا يمتون لهذا الشعب بصلة. صبري ليس ضعفاً، بل هو انتظار للحظة الحقيقة، اللحظة التي سيُحاسب فيها كل من سولت له نفسه التلاعب بحياة البشر."
سرقوا أحلامنا.. كفانا وعوداً كاذبة
رسل سعيد (طالبة جامعية) قالت:"أذاكر دروسي على ضوء شمعة خافتة، وأحياناً على ضوء شاشة الهاتف، بينما أصوات المولدات التجارية الضخمة التي لا يملكها إلا أثرياء الحرب تملأ أذني ضجيجاً. هل هذا هو المستقبل الذي وُعدنا به؟
أين ذهبت المائة وخمسون مليون دولار التي كانت ستغير وجه التعليم في عدن وتجعل دراستنا أكثر آدمية؟ لقد سرقوا أحلامنا قبل أن يسرقوا كهرباءنا، وجعلوا من طموحنا محاولة للنجاة من الحر والظلام. كل مرة أسمع فيها عن 'منحة جديدة' للكهرباء أشعر بغصة، لأنني أعلم أنها لن تصل إلينا، بل ستصل إلى جيوب أولئك الذين يملكون شركات توريد الوقود والمقاولات. نحن جيلٌ ضائع في عتمة هؤلاء اللصوص، ننتظر أن يضيء لنا أحدٌ طريق الخلاص، لكن يبدو أننا سنضطر بأنفسنا لإشعال شعلة التغيير التي ستحرق كل مفسد.
كفانا وعوداً كاذبة، وكفانا بياناتٍ تلو أخرى، نريد أن نرى الملايين في محطاتنا لا في حساباتكم المصرفية، فالحق لن يضيع ما دام وراءه مطالب."
الخاتمة:
إن السؤال عن "أين ذهبت الملايين" ليس مجرد استفسارٍ مالي، بل هو صرخة حق في وجه طغيان بات يتنفس بفساده. لقد صار اللصوص اليوم يعلنون سرقاتهم بتبجح، متجاهلين أن صبر أهل عدن لم يكن يوماً ضعفاً، بل كان ترفعاً. ولكن عندما يلمس الفساد حق الحياة، ويحوّل ليل المدينة إلى جحيمٍ مقدس لجيوب العابثين، فإن التراكمات لا بد أن تنفجر.
المائة وخمسون مليون دولار ليست مجرد أرقام، بل هي دماء وحياة، وسرقتها ليست إلا جريمة حرب ضد شعب أعزل. لقد حان الوقت لكي يدرك هؤلاء "اللصوص في وضح النهار" أن الليل، مهما طال، لن يستر عورة فسادهم إلى الأبد، وأن الصبر إذا فاض، فإنه سيجرف في طريقه كل من ظنوا أنهم أذكى من الناس وأقوى من الحق.