حين يصبح اللص قائدًا

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ليست مصادفة أن يتحول بعض الأشخاص من هامش المجتمع إلى واجهة المشهد العام في فترات الحروب والانهيارات الكبرى، فالحروب لا تلتهم المدن والبنى التحتية فقط، بل تعيد تشكيل منظومة القيم والمعايير، وتخلط الأوراق إلى درجة يصبح معها الصعود إلى القمة مرتبطًا أحيانًا بقدرات لا علاقة لها بالكفاءة أو النزاهة.

في المجتمعات المستقرة، يُفترض أن يكون المنصب ثمرةً للخبرة والعلم والإنجاز، أما في الأزمنة المضطربة فإن المعايير كثيرًا ما تنقلب رأسًا على عقب، فتظهر شخصيات لم يكن أحد يتخيل أن تجد لها مكانًا في مواقع القرار والنفوذ.

المؤلم أن بعض من يتصدرون المشهد اليوم لم يصنعوا حضورهم عبر مشروع وطني، أو رؤية إصلاحية، أو تاريخ من التضحية، بل عبر مهارات أخرى فرضتها ظروف الفوضى؛ مهارات تقوم على استغلال النفوذ، وإتقان السمسرة، وبناء شبكات المصالح، والقدرة على التلون وفق اتجاه الريح.

وأنت تتأمل مواكب السيارات المصفحة والحراسات المشددة التي ترافق بعض المسؤولين، قد تتساءل: كيف وصل هؤلاء إلى هنا؟ وكيف انتقلوا من حياة بسيطة ومتواضعة إلى امتلاك النفوذ والثروة خلال سنوات قليلة فقط؟ سؤال يتكرر في أذهان كثيرين ممن شاهدوا التحولات العجيبة التي صنعتها سنوات الحرب.

لقد أفرزت الفوضى طبقة جديدة من المنتفعين الذين تعاملوا مع الأزمات بوصفها فرصًا استثنائية للثراء والتوسع والنفوذ. بعضهم استولى على الأراضي، وبعضهم احتكر الموارد، وآخرون بنوا إمبراطوريات مالية تحت غطاء النفوذ السياسي أو العسكري.

والمفارقة أن كثيرًا من هؤلاء لا يشعرون بأي حرج تجاه ماضيهم، بل يتعاملون معه باعتباره جزءًا من رحلة النجاح؛ فالمشكلة لم تعد في وجود الفساد ذاته، بل في تحوله لدى البعض إلى ثقافة مقبولة، بل وإلى وسيلة للصعود الاجتماعي والسياسي.

ومع ذلك، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في صعود اللصوص وحدهم، بل في اعتياد المجتمع على وجودهم، حتى يصبح الفاسد شخصية نافذة، ويصبح الحديث عن الفساد جريمة، بينما يتحول أصحاب الأصوات الناقدة إلى متهمين بإثارة الفوضى أو تعكير السكينة العامة.

إن الأمم لا تنهض حين يعتلي الانتهازيون المنابر، ولا حين تتحول الثروة العامة إلى غنيمة، بل عندما تصبح الكفاءة معيارًا، والنزاهة قيمة، والمحاسبة قاعدة لا استثناء.

وحتى يحين ذلك اليوم، سيظل السؤال مطروحًا: كم من اللصوص ما زالوا يختبئون خلف الألقاب الكبيرة والمناصب الرفيعة؟ وكم من القادة الحقيقيين ما زالوا بعيدين عن المشهد؟