خيارات السعودية والحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين
لقد آن الأوان لنقولها بوضوح: المشكلة في اليمن ليست سلوك الحوثيين أو سياساتهم، بل وجودهم ذاته. فطالما ظلّت هذه المليشيا تحتفظ بسلاحها الثقيل وتنفرد بقرار الحرب والسلام، فإن الشرق الأوسط بأكمله سيبقى رهينة لحسابات جماعة لا تمتلك أي رؤية وطنية، ولا تعترف بأي التزامات دولية. وفي هذا السياق، لم يعد الصراع في اليمن مجرد شأن داخلي أو حتى نزاع إقليمي محدود، بل أصبح الساحة الأكثر خطورة لإعادة تشكيل التوازنات الأمنية في المنطقة. فالتطورات المتسارعة المرتبطة بالمواجهة الأمريكية الإيرانية، وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، والمخاوف على أمن منشآت الطاقة الخليجية، كلها عوامل أعادت الملف اليمني إلى قلب الحسابات الاستراتيجية العالمية. وفي هذا المشهد المعقد، تجد المملكة العربية السعودية والحكومة اليمنية نفسيهما أمام مفترق طرق وجودي، حيث لم تعد المعركة تدور حول إدارة الأزمة، بل حول إنهاء التهديد من جذوره.
التحولات الإقليمية تعيد رسم الأولويات
أثبتت الأسابيع والأشهر الأخيرة أن أمن الطاقة العالمي عاد ليصبح أحد أهم محددات القرار الدولي، فالتهديدات التي طالت خطوط الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، واحتمالات تعطل حركة التجارة عبر باب المندب أو مضيق هرمز، لم تعد تمثل مشكلة تخص دول المنطقة وحدها، بل أصبحت قضية تمس الاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد، وأسواق النفط والغاز.
وفي المقابل، كشفت المواجهة الأمريكية مع إيران أن أياً من الطرفين لا يرغب في الانزلاق إلى حرب مفتوحة وطويلة، رغم استمرار الضغوط العسكرية والسياسية المتبادلة. ومن هنا برز اتجاه متزايد نحو إدارة الصراع بدلاً من حسمه، مع إبقاء أدوات الضغط قائمة دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
وينعكس هذا الواقع مباشرة على الملف اليمني، باعتبار الحوثيين أحد أهم الأوراق التي تمتلكها إيران في معادلة الردع الإقليمية. لكن يجب إدراك أن الحوثي ليس مجرد ورقة بيد طهران، بل هو لاعب يمتلك أجندته الخاصة، وهذا يضعه في "مأزق الوكيل". فهو يحتاج إلى استمرار التهديد لتبرير سلطته وابتزاز الدعم الإقليمي، لكنه، في الوقت نفسه، كلما بالغ في تهديده إلى درجة تمس الأمن العالمي بشكل فادح، خاطر بدفع طهران إلى التضحية به في صفقة كبرى مع واشنطن. وتمثل هذه المعضلة نقطة الضعف الاستراتيجية الأهم التي ينبغي استغلالها.
السعودية... بين الردع واحتواء المخاطر وتحديد الخطوط الحمراء
من الخطأ تفسير السياسة السعودية الحالية باعتبارها تراجعاً عن مواجهة الخطر الحوثي، كما أنه من الخطأ تصويرها على أنها قبول بالأمر الواقع. فالمملكة تتحرك وفق معادلة أكثر تعقيداً، تقوم على موازنة دقيقة بين كلفة الحرب وكلفة استمرار التهديد.
لقد أظهرت الهجمات السابقة على منشآت أرامكو أن استهداف البنية التحتية للطاقة يمكن أن يترك آثاراً تتجاوز حدود المملكة، وأن أي تصعيد واسع قد ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي. ولهذا أصبحت الرياض أكثر ميلاً إلى إدارة المخاطر بدلاً من الانخراط في مواجهات مفتوحة لا يمكن ضمان نتائجها.
لكن إدارة المخاطر لا تعني إدارة الغموض. فمن الضروري الانتقال من سياسة "الخطوط الحمراء" الغامضة إلى "مصفوفة ردع" واضحة ومعلنة بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، ويمكن تصورها على النحو التالي:
- الخط الأحمر الأول: أي هجوم يؤدي إلى تعطيل دائم لممر الملاحة الدولية، مثل إغراق سفينة تجارية كبيرة أو زرع ألغام بحرية متطورة.
- الخط الأحمر الثاني: أي هجوم بأسلحة نوعية، كالصواريخ الباليستية الدقيقة أو الطائرات المسيّرة المتطورة، يستهدف البنى التحتية النفطية الخليجية.
-الرد المشترك: إن تجاوز هذين الخطين لن يستدعي رداً محدوداً بتدمير منصات الإطلاق فحسب، بل سيدفع نحو رد عسكري مشترك يمتد إلى استهداف مراكز القيادة والسيطرة الحوثية، بما يغيّر قواعد الاشتباك بالكامل.
ويمثل هذا الوضوح رادعاً استراتيجياً بحد ذاته، وينزع عن الحوثي قدرته على المناورة في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلم. وهذا ما بدا واضحاً من خلال الضربات الجوية السعودية لمواقع مليشيات الحشد الشعبي في العراق، بالتنسيق مع القوات الأمريكية، كنموذج للردع المتدرج.
الحكومة اليمنية: من رد الفعل إلى "استراتيجية الاحتواء الداخلي"
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الشرعية اليمنية ما زالت تعاني من نقص الموارد، والتسليح النوعي، وتشتت الرؤية، والقرارين السياسي والعسكري. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الصعب تحويل أي دعم إقليمي أو دولي إلى إنجازات ميدانية أو سياسية مستدامة.
ولذلك، فإن أي استراتيجية ناجحة ينبغي أن تبدأ بتوحيد القرار السياسي والعسكري، وإعادة بناء مؤسسات الدولة. ولكن، بدلاً من انتظار التوافق النخبوي الكامل الذي طال انتظاره، يمكن للحكومة أن تتبنى فوراً "استراتيجية الاحتواء الداخلي من الأسفل":
- المقترح: تمكين إدارات محلية قوية وناجحة في المحافظات المحررة، مثل حضرموت والمهرة وتعز ومأرب، اقتصادياً وخدمياً وأمنياً، بوصفها "نموذجاً محلياً" جاذباً. فعندما ينجح هذا النموذج في توفير الخدمات والمرتبات والأمن، سيخلق قوة جذب مغناطيسية وضغطاً مضاداً لنموذج الحوثي الفاشل في إدارة شؤون الناس. وهذا الأمر قد يحول السخط الشعبي في مناطق سيطرة الحوثيين من قوة كامنة إلى أداة ضغط سياسي فاعلة وملموسة، ويمنح الحكومة الورقة الأقوى في أي مفاوضات قادمة: نموذج الدولة القادرة.
كما ينبغي للحكومة اليمنية أن تعيد صياغة خطابها أمام المجتمع الدولي، بحيث لا يُختزل الصراع في كونه حرباً داخلية، وإنما يُعرض باعتباره قضية تمس الأمن البحري العالمي، وحرية الملاحة الدولية، وأمن الطاقة، وهو ما يمنحها مساحة أوسع لحشد الدعم السياسي.
الحوثيون: مكاسب القوة ومأزق الوكيل
لا شك أن جماعة الحوثي استطاعت خلال السنوات الماضية تطوير قدراتها العسكرية، وتوظيف موقع اليمن الجغرافي كورقة ضغط إقليمية. لكن، في المقابل، فإن استمرار هذا النموذج يواجه تحديات وجودية. فكلما ارتفع مستوى التهديد للملاحة الدولية، ازدادت احتمالات تشكل توافقات دولية أكثر صرامة لحماية خطوط التجارة والطاقة. كما أن ربط مستقبل اليمن بشكل دائم بالصراعات الإقليمية يجعل الجماعة نفسها رهينة لتقلبات العلاقات الإيرانية مع الولايات المتحدة. وهذا "المأزق المزدوج" يعني أن هامش المناورة قد يتقلص فجأة إذا اتجهت القوى الكبرى نحو تفاهمات جديدة تخفض مستويات التصعيد، في ظل تنامي حالة السخط الشعبي نتيجة الأوضاع الإنسانية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها الشعب اليمني. إن بقاء الحوثي ليس مجرد مشكلة يمنية، بل هو قنبلة موقوتة تهدد أي مستقبل مستقر للمنطقة.
ما الخيارات المطروحة أمام الرياض؟
يمكن تلخيص الخيارات السعودية في أربعة مسارات رئيسية:
أولاً: الاستمرار في سياسة الاحتواء النشط، عبر الحفاظ على قنوات الاتصال، وتقليل فرص الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع تعزيز القدرات الدفاعية بشكل متسارع.
ثانياً: دعم عملية عسكرية يمنية محدودة ومدروسة تستهدف تقليص القدرات الهجومية النوعية للحوثيين، دون الانخراط في حرب مفتوحة، إذا توافرت ظروفها السياسية والميدانية.
ثالثاً: الجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي والدبلوماسي، بحيث تصبح أي تسوية سياسية مرتبطة بضمانات أمنية حقيقية تبدأ بتفكيك قدرات الميليشيا العسكرية، وليس بمجرد وقف مؤقت لإطلاق النار.
رابعاً: العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لبناء منظومة أمن جماعي للبحر الأحمر وباب المندب، بما يحول دون استخدام الممرات البحرية كورقة ابتزاز سياسي أو عسكري من قبل أي طرف غير دولتي.
السيناريوهات المحتملة في ضوء المعطيات الحالية
يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول:استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم"، حيث تستمر التهدئة النسبية مع بقاء أسباب الصراع دون معالجة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً والأخطر على المدى البعيد؛ لأنه يكرّس وجود الميليشيا كأمر واقع.
السيناريو الثاني: تصعيد عسكري محدود ومركز، إذا تجاوزت الهجمات الحوثية الخطوط الحمراء المحددة التي تمس أمن الطاقة أو الملاحة الدولية، مما يدفع إلى ردود أكثر حزماً وتغييراً لقواعد الاشتباك.
السيناريو الثالث: التوصل إلى تسوية سياسية أوسع برعاية إقليمية ودولية، تتضمن ترتيبات أمنية واقتصادية وسياسية تفضي إلى حل المليشيا ودمج عناصرها في إطار الدولة. وهو سيناريو يتطلب توافقات معقدة، لكنه الحل الوحيد المستدام.
السيناريو الرابع: تحول اليمن إلى ساحة حرب مباشرة بين القوى الكبرى، إذا عاد التصعيد الإقليمي بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي قد يزيد من استخدام الساحة اليمنية كمسرح للمواجهة، وهو ما يشكل تهديداً وجودياً للدولة والمجتمع.
معضلة اليوم التالي والخلاصة
ختاماً، يجب أن يضع أي حديث عن مستقبل اليمن في الاعتبار "معضلة اليوم التالي" لأي تسوية: من سيدفع فاتورة إعادة الإعمار الضخمة؟ وكيف سيتم دمج عشرات الآلاف من المقاتلين في الجيش والأمن، بما يضمن عدم عودة الحرب؟
إن الإجابة عن هذين السؤالين هي وحدها الكفيلة بتحويل أي تسوية سياسية من مجرد حبر على ورق إلى سلام حقيقي ومستدام. كما أن الربط بين التسوية السياسية والضمانات الأمنية يكتسب مصداقيته فقط من خلال خطة عملية لمعالجة هذين التحديين.
لم تعد معركة اليمن مجرد صراع على السلطة والسيطرة، بل أصبحت جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي والدولي، حيث تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى مع حسابات دول الجوار، ويتداخل فيها أمن الطاقة مع أمن الملاحة البحرية. وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإن الهدف لم يعد تحقيق نصر عسكري تقليدي، بقدر ما أصبح بناء بيئة أمنية مستقرة تحمي حدودها ومشروعاتها الاستراتيجية، وتحد من المخاطر التي تهدد الاقتصاد الوطني والإقليمي.
أما الحكومة اليمنية، فإن نجاحها لن يتحقق بانتظار تغير المواقف الإقليمية والدولية، بل بقدرتها على إصلاح مؤسساتها، وتوحيد قرارها، واستعادة ثقة المواطنين وشركائها من خلال نموذج دولة فاعل على الأرض.
وفي المقابل، يظل الحوثيون مؤثرين في معادلة الصراع، لكن استمرار هذا الواقع الشاذ، أي بقاء مليشيا مسلحة تتحكم بمصير دولة وممر مائي عالمي، هو التهديد الأكبر لأي سلام أو استقرار في المنطقة.
إن مستقبل اليمن لن تحدده القوة العسكرية وحدها، ولا التسويات السياسية وحدها، وإنما قدرة اليمنيين على بناء مشروع وطني جامع، يستند إلى مؤسسات دولة فاعلة، ويستثمر الموقع الجيوسياسي الفريد لليمن باعتباره بوابة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، لا كساحة صراع دائم، بل كركيزة للاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي.
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني – جامعة تعز