الوطن الذي يبحث عن دولة

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ليس هناك أقسى على الإنسان من أن يعيش في وطن يحبه، لكنه لا يجد فيه دولة تحميه. نعم، في اليمن الوطن موجود في الجبال والسهول والوديان، وفي وجوه الناس المتعبة، وفي ذاكرة الأجداد، وفي دموع الأمهات. ولكن السؤال اليوم: أين الدولة؟

الدولة التي تضيء المصباح حين يحل الظلام، الدولة التي تحضر حين يغيب الأمن، الدولة التي تسمع أنين الجائع قبل أن يتحول إلى صرخة. الدولة التي تجعل المواطن يشعر أنه إنسان له حقوق، لا مجرد رقم في طابور طويل من المعاناة.

سنوات طويلة مرت، والوطن يتنقل بين الحروب والأزمات. تغيرت الشعارات، وتبدلت الوجوه، وتعددت الرايات، لكن المواطن ظل في مكانه ذاته؛ ينتظر الكهرباء، ويبحث عن الماء، ويحلم براتب يكفي أسرته، ويتمنى مستشفى يعالجه ومدرسة تعلم أبناءه.

في بلاد أخرى، تتنافس الحكومات على بناء المستقبل، أما هنا فما زال المواطن يتنافس مع الأزمات كي ينجو بيومه فقط.

الوطن يشبه سفينة كبيرة وسط بحر هائج، يتنازع الجميع على قيادتها بينما تتسرب المياه إلى داخلها. بعضهم مشغول بمن يجلس على الكرسي، والقليل فقط يفكر كيف ينقذ السفينة من الغرق.

والمفارقة المؤلمة أن اليمنيين لم يختلفوا يوماً على حب اليمن، لكنهم اختلفوا كثيراً على طريقة إدارته. فصار الوطن أكبر من الجميع، بينما الدولة أصغر من أن تحتوي الجميع.

كل صباح يخرج المواطن حاملاً همومه على كتفيه. لا يسأل عن المشاريع العملاقة ولا عن الأحلام الكبيرة، بل عن أبسط حقوق الحياة: كهرباء لا تنقطع، عمل يحفظ الكرامة، تعليم يصنع المستقبل، وأمن يجعله ينام مطمئناً.

إن المأساة الحقيقية لم تكن في فقر الوطن، فاليمن غني بأرضه وإنسانه وموقعه وتاريخه. المأساة أن وطناً بهذا الحجم ما زال يبحث عن دولة بحجمه.

وطن يبحث عن دولة لا تتذكر شعبها وقت الأزمات فقط، ولا تتحدث باسمه ثم تنساه. دولة تجعل القانون أعلى من النفوذ، والمصلحة العامة فوق المصالح الضيقة، والمواطن أغلى من المناصب.

لقد تعبنا وتعبت اليمن، وتعب الناس من الانتظار، وتعبت الأحلام من التأجيل. وكل ما يريده هذا الوطن العريق هو أن يجد دولة تشبه تاريخه، وتستحق تضحيات أبنائه.

ومع ذلك، ورغم كل هذا التعب، ما زال اليمنيون يتمسكون بوطنهم بطريقة تثير الدهشة. يحبونه رغم أنه أتعبهم، ويتمسكون به رغم أنه أنهكهم، ويحلمون به رغم أنه خذل أحلامهم كثيراً.

لأنهم يدركون أن المشكلة لم تكن في الوطن يوماً.
فالوطن جميل بما يكفي.
والشعب صبور بما يكفي.
والتاريخ عظيم بما يكفي.
لكن الدولة... هي الحلقة المفقودة.

ولهذا ما زال اليمن، بكل جباله وسهوله وبحاره ومدنه وقراه، يرفع سؤاله الكبير إلى الجميع:

إلى متى سيبقى وطنٌ كاملٌ يبحث عن دولة؟