الاستقلال المفقود .. صرخة لتجاوز "عقدة المعونات" الطريق إلى الندية والكرامة يبدأ بقرار شجاع بالاعتماد على الذات وتطهير أجهزة الدولة من المحسوبية

الاستقلال المفقود .. صرخة لتجاوز "عقدة المعونات"   الطريق إلى الندية والكرامة يبدأ بقرار شجاع بالاعتماد على الذات وتطهير أجهزة الدولة من المحسوبية
مشاركة الخبر:

في ظل الاعتماد المستمر على المنح والمساعدات الخارجية لتغطية عجز الرواتب والخدمات الأساسية، تبرز إلى الواجهة تساؤلات ملحة ومشروعة: إلى متى سيظل ملف الرواتب رهينة لتقلبات التمويل الخارجي؟ 

إن التمادي في هذا النهج، وإن بدا حلاً مؤقتاً لإسناد الاقتصاد المنهك، يكرّس "فخ التبعية" الذي يضعف مؤسسات الدولة، في وقت تمتلك فيه اليمن مقومات جغرافية وبشرية تجعل منها اقتصاداً قادراً على المنافسة وتحقيق الاستقرار والرفاه.

مفارقة "الفقر في بلاد الغنى"
إن المشهد اليمني يضعنا أمام مفارقة صارخة؛ فالدولة التي تمتلك سواحل استراتيجية تمتد على البحر الأحمر وبحر العرب، ومخزوناً طبيعياً من الموارد، وقوة بشرية شابة، تجد نفسها في موقع "الطرف المعتمد".  
إن رهن قرار الدولة بالتدفقات المالية الخارجية يحوّل مؤسسات "الشرعية" من كيان سيادي يدير الموارد إلى جهاز إداري ينتظر التمويل، مما يقلص من استقلالية القرار السياسي والسيادي ويضعف القدرة على التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.

لماذا يغيب "خيار الاعتماد على الذات"؟
يرى خبراء الاقتصاد السياسي أن استمرار الاعتماد على الدعم المباشر كحل وحيد للأزمات يغذي حالة من "الضعف الهيكلي" للأسباب التالية:
تغييب الشفافية والإدارة:  
تعاني آليات إدارة الموارد المحلية (كالجمارك والضرائب وقطاعات الإنتاج) من قصور هيكلي وفساد إداري يمنع تحويلها إلى رافد أساسي لميزانية الدولة.
تعطيل الشرايين الاقتصادية:  
عدم تفعيل الموانئ والمطارات بكامل طاقتها التشغيلية والخدمية حال دون استغلال الموقع الجيواستراتيجي لليمن.
هدر الرأسمال البشري:  
غياب بيئة العمل الآمنة والمحفزة أدى إلى استنزاف العقول والخبرات بدلاً من توظيفها في استنهاض القطاعات الإنتاجية.

استراتيجية الحل: كيف تستعيد اليمن كرامتها الاقتصادية؟
للخروج من دائرة "المساعدات" إلى رحاب "الإنتاج"، يتطلب الأمر رؤية قيادية شجاعة ترتكز على مبادئ السيادة الاقتصادية:
تفعيل "سيادة الموارد":  
يجب أن يكون الهدف الاستراتيجي هو الوصول إلى حالة من الاكتفاء الذاتي خلال فترة زمنية محددة، عبر رقمنة تحصيل الإيرادات العامة (الجمارك والضرائب والاتصالات) وربطها بالبنك المركزي بشكل مباشر وشفاف لمنع التسرب المالي.
استئناف وتطوير الإنتاج:  
لا يمكن بناء اقتصاد قوي دون استغلال الموارد الطبيعية والمواد الخام. يجب أن تكون أولوية الدولة حماية وتأمين حقول الإنتاج ومناطق التصدير، واعتبارها ملفاً سيادياً لا يقبل المساومة.
تحويل "العمالة" إلى "قوة منتجة":  
التوقف عن التعامل مع القوى العاملة كعبء، وتحويلها إلى قوة منتجة عبر دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على التصنيع المحلي والزراعة، وتوفير بيئة قانونية محفزة تجذب الاستثمارات الوطنية.
شراكات تنموية لا تبعية:  
تحويل العلاقة مع أي أطراف خارجية من "مانح وممنوح" إلى "شراكة استراتيجية" تقوم على استثمارات حقيقية وتطوير للبنية التحتية والمشاريع الإنتاجية، بما يحفظ لليمن استقلاليته ويضمن حقوق الأجيال القادمة.

خاتمة: النداء الأخير للقيادة
إن "اليد العليا" قاعدة وطنية وأخلاقية واقتصادية راسخة. إن استمرار الدولة في موقع المتلقي يضعف موقفها في أي استحقاقات سياسية مستقبلية. إن استعادة الدولة ليست مجرد إجراءات إدارية أو عسكرية، بل هي استعادة للقدرة على الإدارة والاكتفاء.
على القيادة السياسية اليوم أن تدرك أن المنح قد تسد رمقاً لحظياً، لكنها لا تبني وطناً؛ فالطريق إلى الندية والكرامة يبدأ بقرار شجاع بالاعتماد على الذات، وتطهير أجهزة الدولة من المحسوبية، وتبني استراتيجية تنموية واضحة تضع رفاهية المواطن اليمني كأولوية قصوى. آن الأوان لليمن أن ترسم مسارها الخاص نحو الازدهار بجهود أبنائها ومواردهم.