الذكاء الاصطناعي والصحافة: أداة مساعدة أم تهديد للمهنة؟
في ظل التطور المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، يبرز نقاش جوهري حول دورها المحتمل في عالم الصحافة، خاصة في كتابة القصص وصياغة العناوين. ورغم أن الخبراء يرون في هذه التقنيات "أداة مفيدة" قادرة على تحديد المحتوى واقتراح الأنسب، إلا أنهم يؤكدون بشدة على أن "المراجعة البشرية تظل حجر الزاوية الذي لا غنى عنه".
كشف تقرير حديث صادر عن مجلة "كولومبيا جورناليزم ريفيو" عن وجود "نصائح متضاربة" بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في المهام الصحافية. وأشار التقرير، الذي أعدته الأستاذة أنيكا كولير نفارولي، إلى أن كتابة العناوين هي إحدى المهام التي يمكن أن تبرع فيها هذه التطبيقات، بفضل قدرتها على تحليل البيانات واقتراح عناوين جذابة ومناسبة.
لكن التقرير لم يغفل عن "المخاطر الكامنة"، حيث يثير إرسال مواد صحافية غير منشورة إلى هذه التطبيقات للتعديل أو التدقيق تساؤلات عميقة حول حقوق الملكية الفكرية، واحتمالية إعادة استخدام المحتوى من قبل هذه التطبيقات، مما قد يعرض الصحافيين لمواقف قانونية وأمنية معقدة. كما لفت التقرير إلى أن صناعة الذكاء الاصطناعي الضخمة، والتي تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات، اعتمدت في تدريب نماذجها على أعمال صحافيين دون الحصول على موافقتهم أو تعويضهم، وأظهر تحقيق لصحيفة "واشنطن بوست" أن نصف المواقع الإخبارية الرائدة استُخدمت في هذا التدريب.
ومع نضوب البيانات الأصلية، بدأت شركات الذكاء الاصطناعي بالاعتماد على "البيانات الاصطناعية"، أي ما ينتجه الذكاء الاصطناعي نفسه، في تدريب نماذجها. هذا التوجه يثير قلقاً بالغاً بشأن ترسيخ التحيزات وتفاقم "هلوسات" الذكاء الاصطناعي، وهي ظاهرة قد تؤدي إلى توليد معلومات غير دقيقة أو مضللة.
وفي هذا السياق، يرى الباحث الإعلامي الأميركي يوشنا إكو، رئيس ومؤسس "مركز الإعلام ومبادرات السلام" في نيويورك، أن الذكاء الاصطناعي "يمكن أن يكون أداة قيمة في تحرير القصص الصحافية وصياغة العناوين". ولكنه شدد في حديث لـ"الشرق الأوسط" على أن "العنصر البشري يظل لا غنى عنه في مرحلة المراجعة النهائية". وأوضح أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدراته، "لا يستطيع أن يحل محل الذكاء البشري، بل هو مجرد مساعد تقني". ومع ذلك، فهو يعترف بأن هذه الأدوات يمكن أن تساعد في اختيار الكلمات، واقتراح المرادفات، وتحسين جودة الصياغة، وتوضيح المعاني.
يؤكد إكو على "ضرورة وضع قواعد واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد ما يمكن مشاركته من معلومات حساسة عبر هذه التطبيقات". ويضيف أن التطورات التكنولوجية المتسارعة تستدعي إعادة النظر في أخلاقيات الإعلام والمعايير المهنية، خاصة في ظل التحيزات المعروفة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وينصح بـ"تدقيق المعلومات المستقاة من الذكاء الاصطناعي وعدم الاعتماد عليها بشكل كلي"، محذراً من أن الاعتماد المفرط قد يؤدي إلى فقدان الصحافيين لمهاراتهم، وتقليل التنوع في القصص الصحافية، حيث باتت هذه التطبيقات تميل إلى تكرار نفس القصص والعناوين وزوايا المعالجة.