الطهورية .. حين تصبح هدية للحوثي

منذ 4 ساعات
مشاركة الخبر:

ليس كل من يخرج من الظلام يولد ملاكًا.فمن قضى سنوات داخل النفق، لا يمكن أن يخرج وثيابه نظيفة من الغبار. ومن عاش داخل مشروع مغلق، لا يخرج منه إلا وهو يحمل على كتفيه آثار الرحلة، وأخطاءها، وربما ندوبها أيضًا.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
ليس امتحان المنشق، بل امتحان الذين ينتظرونه خارج الأسوار.
هل ينظرون إليه باعتباره ثغرة في جدار الخصم؟ أم يحاكمونه وكأنه الخصم نفسه؟
التاريخ لا يعرف الطهورية.
فكل التحولات الكبرى بدأت بأناس اكتشفوا متأخرين أنهم كانوا يسيرون في الطريق الخطأ. ولو أن الأمم أغلقت أبوابها في وجوه كل من عاد إليها بعد خطأ، لما تغير تاريخ، ولا سقط طاغية، ولا انتهى استبداد.
المشاريع العقائدية لا تسقط عندما يكثر أعداؤها، بل عندما يقل المؤمنون بها.ولذلك يخاف كل مشروع استبدادي من لحظة الانشقاق أكثر مما يخاف من آلاف الخطب والبيانات. لأن الرصاصة القادمة من الداخل أوجع من الصرخة القادمة من الخارج، ولأن الشهادة التي يكتبها من عاش التجربة أقسى من كل الاتهامات التي يرددها الخصوم.
كل من يغادر الحوثي لا يحمل حقيبته فقط، بل يحمل معه جزءًا من قوة الجماعة، وجزءًا من أسرارها، وجزءًا من صورتها التي كانت تدّعي أنها لا تتصدع.
ولهذا فإن كل انشقاق، مهما بدا صغيرًا، هو خسارة للمشروع وربح للوطن. لكننا، أحيانًا، نرتكب الخطأ ذاته الذي يرتكبه خصومنا، حين نحول السياسة إلى محكمة لا تعرف إلا الإدانة، ونبحث عن بشر بلا ماضٍ، وكأن التاريخ أنجب ملائكة تمشي على الأرض.ومن يبحث عن الإنسان الكامل سيبقى وحيدًا.
فالسياسة ليست كتابةً لسير الأولياء، بل إدارة لمعركة معقدة، تُقاس فيها النتائج بقدر ما تُقاس المبادئ.
وليس المطلوب أن نغفر كل شيء، ولا أن نمحو حقوق الناس، ولا أن ننسى المظالم. فالعدالة ضرورة، والذاكرة الوطنية لا ينبغي أن تُمحى. لكن هناك فرقًا بين العدالة، وبين تحويل الماضي إلى قيد يمنعنا من إضعاف خصم يواصل تدمير البلاد.
الحوثي لا يريد شيئًا أكثر من مجتمع يرفض كل من يحاول مغادرته، لأن ذلك يبعث رسالة إلى من بقي في صفوفه: لن تجدوا مكانًا إذا خرجتم، فابقوا حيث أنتم.
أما حين يرى المترددون أن باب الخروج مفتوح، وأن الوطن أوسع من الجماعة، وأن المستقبل لا يُغلق في وجوه العائدين، فإن جدار الخوف يبدأ بالتشقق، ويصبح الانشقاق فكرة قابلة للحياة، لا مغامرة تؤدي إلى عزلة جديدة.
لقد سقطت إمبراطوريات، وانهارت أنظمة، وتفككت جماعات، لأن الداخل سبق الخارج إلى إعلان الحقيقة.وهكذا تبدأ النهايات دائمًا.
لا بضربة واحدة، بل بشقوق صغيرة يستهين بها الناس، حتى يأتي اليوم الذي ينهار فيه الجدار كله.
ولذلك، فإن الحكمة ليست في السؤال: من كان هذا الرجل بالأمس؟
بل في السؤال الأهم: ماذا يعني خروجه اليوم؟
فالسياسة التي تنشغل بتطهير صفوفها أكثر من انشغالها بإضعاف خصمها، قد تربح شعورًا أخلاقيًا مؤقتًا، لكنها كثيرًا ما تخسر معركة التاريخ. فالانتصارات لا يصنعها الباحثون عن الكمال، بل يصنعها الذين يعرفون كيف يحولون كل شرخ في جدار خصمهم إلى بداية لانهياره.