يوميات مكافح يمني.
كل صباح، هناك حقيبة لا تُفتح لتُخرج منها الكتب، ولا تُغلق لأنها امتلأت بالمال، بل لأنها تحمل شيئًا أثقل من كل ذلك... تحمل الهم.
يضعها صاحبها على كتفه، ويخرج قبل أن تستيقظ الشمس. لا يبحث عن المجد، ولا يطارد الثراء، وإنما يطارد يومًا آخر يستطيع فيه أن يعود إلى بيته دون أن ينكسر أمام أعين أطفاله.
المكافح اليمني لا يعيش يومه كما يعيشه الآخرون. يبدأ يومه بسؤال، ويُنهيه بالسؤال نفسه: هل سيكون الغد أرحم؟
يمر بين الأسواق، ويعبر الشوارع، ويقف في الطوابير، ويتحمل ارتفاع الأسعار، وانقطاع الخدمات، وضيق الفرص، لكنه لا يسمح لليأس أن ينتصر عليه. يعرف أن الاستسلام أسهل، لكنه يختار الطريق الأصعب، لأن في بيته وجوهًا تنتظر عودته، ولو برغيف خبز، أو بكلمة تطمئن القلوب.
وفي اليمن، أصبح الواقع شاهدًا على حكايات لا تُعد. يحملها الطبيب إلى المستشفى، والمعلم إلى المدرسة، والعامل إلى ورشته، والجندي إلى موقعه، والموظف إلى مكتبٍ قد يعود منه بلا راتب، لكنهم جميعًا يحملون معها الأمل نفسه؛ أن يأتي يوم يصبح فيه العمل طريقًا للحياة، لا معركةً من أجل البقاء.
عشر سنوات من الحرب لم تُنهك المباني وحدها، بل أنهكت تفاصيل الحياة الصغيرة. صار الوصول إلى أبسط الحقوق يحتاج إلى جهد، وأصبح المكافح يخوض معركته كل يوم دون ضجيج، ودون كاميرات، ودون من يكتب اسمه في صفحات التاريخ.
ومع ذلك، يبقى اليمني عجيبًا. كلما ظن الجميع أنه بلغ آخر الطريق، صنع من التعب بدايةً جديدة. يحول الخسارة إلى درس، والانكسار إلى عزيمة، ويزرع في أرضٍ أنهكتها الأزمات بذورًا لا يراها إلا المؤمنون بأن الفجر لا يخلف موعده.
لهذا، فإن يوميات المكافح اليمني ليست قصة حزن، بل شهادة على شعب يرفض أن يسقط. شعب يحمل حقيبته كل صباح، لا لأنها خفيفة، بل لأنه يؤمن أن الوطن لا يبنيه المتفرجون، وإنما أولئك الذين يواصلون السير، حتى عندما تصبح الطرق أكثر قسوة من الرحلة نفسها.
وحين يأتي اليوم الذي يستعيد فيه اليمن عافيته، لن يكون أبطال الحكاية هم أصحاب الشعارات، بل أولئك الذين حملوا حقائبهم بصمت، وحملوا معها وطنًا كاملًا على أكتافهم، حتى لا يسقط.