هل أصبحت كفة الانتصار على الحوثي أرجح من أي وقت مضى... بعد أن بدأت القبيلة تغيّر اتجاه البوصلة؟

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

الزمن لا يُسقط الجيوش أولًا، بل يُسقط الأفكار التي تتوهم أنها أصبحت أكبر من الواقع، وأقوى من سنن الأمم.
والمشاريع التي تبدأ وهي تظن أن القوة وحدها تكفي للبقاء، تكتشف متأخرة أن السلاح يستطيع أن يفتح الأبواب، لكنه لا يستطيع أن يحرسها إلى الأبد.
ليس الحوثي اليوم هو الحوثي الذي عرفه اليمنيون قبل سنوات. فقد تغيرت الأرض التي وقف عليها، وتبدلت الظروف التي ساعدته على التوسع، وتآكلت كثير من العوامل التي صنعت نفوذه في بدايات الحرب.
لقد استفاد الحوثي طويلًا من انقسام خصومه، ومن غياب الدولة، ومن تشظي القرار السياسي والعسكري، ومن مجتمعٍ أرهقته الحروب حتى أصبح يبحث عن النجاة أكثر من بحثه عن الحسم. لكن سنن الأمم تخبرنا أن المشاريع لا تنهار فقط عندما تُهزم في الجبهات، بل عندما تبدأ بخسارة البيئة التي منحتها أسباب الاستمرار.
وفي اليمن، لا يمكن الحديث عن البيئة الاجتماعية دون الحديث عن القبيلة.
فالقبيلة لم تكن يومًا مجرد مكوّن اجتماعي، بل كانت، عبر قرون طويلة، أحد أعمدة التوازن في اليمن. منها تُعقد الأحلاف، ومنها تُحل النزاعات، ومنها تُفتح الطرق أو تُغلق، ومنها تنشأ مواقف تصنع الفارق في اللحظات المفصلية. ولهذا، فإن أي تحول في موقف القبائل ليس أمرًا هامشيًا، بل مؤشرًا بالغ الأهمية على تغير المزاج العام داخل المجتمع.
ولعل ما يلفت الانتباه اليوم هو أن القبيلة التي تعامل معها الحوثي في سنوات سابقة بوصفها حاضنة أو شريكًا أو قوة يمكن توظيفها، بدأت في بعض المناطق تعيد النظر في كثير من الحسابات. فسنوات الحرب الطويلة، والخسائر البشرية المتراكمة، والأعباء الاقتصادية المتزايدة، وحالة الإرهاق التي أصابت المجتمع، دفعت كثيرين إلى التساؤل عن جدوى استمرار هذا المسار.
فالقبائل اليمنية، بطبيعتها، قد تصبر طويلًا على الخلافات، لكنها لا تتسامح بسهولة مع محاولات تهميش دورها، أو مصادرة قرارها، أو تحميلها أعباء صراعات لا ترى نهايتها. وعندما تبدأ القبيلة بإعادة تقييم المشهد، فإن ذلك لا يبقى محصورًا داخل حدود منطقة أو محافظة، بل يمتد أثره إلى معادلات أوسع تمس ميزان القوى بأكمله.
وفي الوقت ذاته، لم تعد الظروف الاقتصادية والاجتماعية كما كانت في السنوات الأولى للحرب. فالمجتمع الذي استنزفته الأزمات، وأثقلته الأعباء المعيشية، بات أكثر ميلًا للبحث عن الاستقرار من البحث عن الشعارات الكبيرة. فالخطابات تُختبر بقدرتها على تحسين حياة الناس، لا بقدرتها على ملء المنابر واللافتات.
كما أن طول أمد الحرب كشف لكثير من اليمنيين حقيقة المشاريع المتصارعة على الأرض، وأخضع الجميع لاختبار الواقع. فالمواطن البسيط لم يعد ينظر إلى ما يُقال بقدر ما ينظر إلى ما يراه في حياته اليومية من أمن أو فوضى، ومن استقرار أو معاناة.
لكن كل هذه المتغيرات، مهما بدت مهمة، لا تعني أن النصر يتحقق بصورة تلقائية. فالفرص التاريخية كثيرًا ما ضاعت بسبب الانقسام، وكثير من القوى خسرت لحظات كانت أقرب ما تكون إلى الحسم؛ لأنها لم تمتلك رؤية موحدة أو مشروعًا جامعًا.
فالانتصار لا يُختزل في استعادة موقع أو مدينة أو جبهة، بل في القدرة على بناء دولة تحل محل الفوضى، وتفرض القانون بدلًا من السلاح، وتمنح المواطن سببًا للإيمان بالمستقبل.
ولهذا، فإن السؤال الجوهري اليوم ليس: هل يواجه الحوثي ضغوطًا أكبر من أي وقت مضى؟ بل: هل أصبحت الظروف السياسية والاجتماعية والقبلية أكثر تهيئة لمرحلة جديدة قد تغيّر مسار الصراع؟
قد يرى كثيرون أن المؤشرات الحالية توحي بذلك. فهناك إرهاق متزايد من الحرب، وتآكل في كثير من عوامل القوة التي استفاد منها الحوثي سابقًا، وتحولات اجتماعية وقبلية تستحق المراقبة، إلى جانب إدراك متنامٍ لدى اليمنيين أن استمرار الصراع لم يعد خيارًا يمكن احتماله إلى ما لا نهاية.
غير أن الفرصة وحدها لا تصنع النصر. فالنصر يحتاج إلى مشروع وطني، وإلى قيادة تمتلك وضوح الرؤية، وإلى قوى تدرك أن معركتها ليست فقط ضد عصابة مسلحة، بل من أجل استعادة الدولة، وإنقاذ المجتمع، وبناء مستقبل مختلف.
وعندما تجتمع هذه العوامل مع التحولات التي تشهدها القبيلة والمجتمع، قد تصبح كفة الانتصار أرجح من أي وقت مضى. ليس لأن الخصم ضعف فحسب، بل لأن الأرض نفسها بدأت تعيد تشكيل موازينها، ولأن اليمنيين باتوا أكثر إدراكًا لحقيقة ما أوصل البلاد إلى هذا المنعطف الطويل.
وعندها فقط، لن يكون التغيير نتيجة معركة، بل نتيجة تحول عميق في وعي المجتمع وإرادته، وانتصار فكرة الدولة على مشاريع القوة والغلبة، وانتصار اليمن على سنوات طويلة من الحرب والانقسام.