هل التفاهمات الأولية بين واشنطن وطهران مهددة بالانهيار؟

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

شهدت منطقة الخليج خلال الأيام الأخيرة تطوراً عسكرياً بالغ الحساسية، بعد الإعلان عن تنفيذ الولايات المتحدة سلسلة ضربات عسكرية استهدفت مواقع ومنظومات عسكرية إيرانية، في أعقاب اتهام طهران باستهداف سفن تجارية أثناء عبورها مضيق هرمز. ويطرح هذا التصعيد سؤالاً محورياً: هل وصلت التفاهمات الأولية بين واشنطن وطهران إلى نقطة الانهيار، أم أننا أمام مرحلة جديدة من إدارة الصراع وفق قواعد اشتباك أكثر تشدداً؟

الإجابة لا تبدو بسيطة، لأن العلاقات الأمريكية الإيرانية لم تقم خلال السنوات الأخيرة على اتفاقات سلام أو تفاهمات استراتيجية مستقرة، بل على توازن دقيق بين الردع والتفاوض، وبين التصعيد والاحتواء. لكن الأعمق من ذلك، أن هذه التفاهمات لم تكن يومًا مجرد خطوط حمراء متفق عليها، بل هي نتاج نظرية الردع المتبادل غير المتناظر؛ حيث تدرك واشنطن أن تفوقها التكنولوجي لا يحصّنها ضد هجمات غير تقليدية (طائرات مسيّرة، قرصنة بحرية)، وتدرك طهران أن قدرتها على الابتزاز البحري لا تعادل القوة الجوية الأمريكية، وعليه، فإن أي خرق للتفاهمات لا يُقرأ كـ"نهاية" حتمية، بل كـاختبار إجهاد لهذه المعادلة الفيزيائية للصراع، فكلما زاد الضغط، زادت هشاشة النسيج الأمني دون أن يتقطع بالكامل، ومن ثم فإن أي تطور عسكري لا يعني بالضرورة نهاية مسار التفاهم، لكنه يعكس إعادة رسم حدود القوة والنفوذ.

لقد جاءت الضربات الأمريكية الأخيرة، وفق الرواية الأمريكية، رداً على ما اعتبرته واشنطن انتهاكاً لحرية الملاحة الدولية وخرقاً للتفاهمات الأمنية الخاصة بضمان أمن مضيق هرمز، وهو الشريان الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، ويعكس اختيار الأهداف العسكرية الإيرانية – من منظومات الدفاع الجوي والرادارات إلى مواقع القيادة والسيطرة والزوارق السريعة – رغبة أمريكية في تقليص القدرات العملياتية التي يمكن استخدامها لتهديد الملاحة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة تستهدف بنية الدولة الإيرانية.

من الناحية الجيوسياسية، تدرك الولايات المتحدة أن أمن الخليج لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح جزءاً من الأمن الاقتصادي العالمي، في ظل هشاشة أسواق الطاقة واستمرار التنافس الدولي بين القوى الكبرى، ولذلك فإن أي تهديد للممرات البحرية يفرض على واشنطن استعراض قدرتها على حماية النظام البحري الدولي وردع أي محاولات لتغيير قواعده بالقوة.

غير أن قراءة التوقيت الزمني لهذه الضربات بمنظار أوسع تكشف عن أبعاد إضافية؛ فهي لا تأتي رداً على حادث الملاحة فقط، بل في سياق سباق زمني محموم نحو نافذة الخطر النووي. فمع اقتراب إيران من عتبة القدرة الانشطارية، تسعى واشنطن إلى توجيه رسالة مزدوجة: تفكيك القدرات التقليدية (الصواريخ والرادارات) التي تحمي المنشآت النووية، وتضييق الخيار العسكري أمام إسرائيل التي قد لا تلتزم بضوابط الردع الأمريكي، وهذا يضيف بُعداً يائساً للتفاهمات، إذ يحاول كل طرف كسب الوقت لصالح موقعه التفاوضي قبل بلوغ اللحظة الصفرية.

أما إيران، فإنها تنظر إلى الوجود العسكري الأمريكي في الخليج باعتباره أحد أهم مصادر التهديد لأمنها القومي، وترى أن امتلاك أوراق ضغط بحرية وصاروخية يمثل وسيلة لتعزيز موقعها التفاوضي وردع خصومها، ومن هذا المنطلق، فإن المواجهة الحالية لا تدور حول حادث بحري منفرد، بل تعكس صراعاً أوسع على ميزان القوى في الخليج وعلى مستقبل النظام الأمني الإقليمي.

غير أن خطورة المرحلة الراهنة تكمن في أن الصراع لم يعد ثنائياً قابلاً للاحتواء المتبادل؛ فهناك أطراف إقليمية تمتلك فيتو تنفيذي على أي تفاهمات. فإسرائيل تنظر إلى أي اتفاق أمريكي-إيراني ولو ضمنياً باعتباره تهديداً وجودياً، وقد تلجأ إلى استراتيجية التوريط القسري عبر عمليات نوعية تستهدف أعماق إيران، مما يجبر واشنطن على الاختيار بين التخلي عن التفاهمات أو الانخراط في حرب دفاعية عنها. كذلك، فإن دول الخليج، رغم انفتاحها الدبلوماسي، تراقب عن كثب مدى مصداقية الردع الأمريكي؛ وأي تراجع أمريكي سيدفعها إلى تسريع تحالفاتها البديلة مع الصين وروسيا، وهو ما يفكك المنظومة الأمنية التي قامت عليها التفاهمات بالأساس.

ورغم حدة التصعيد، فإن المؤشرات لا توحي حتى الآن بانهيار كامل للتفاهمات غير المعلنة بين الطرفين، فكل من واشنطن وطهران يدرك أن الحرب الشاملة ستكون مكلفة للغاية، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، كما أن القوى الإقليمية والدولية المعنية باستقرار أسواق الطاقة لن تتوقف عن ممارسة الضغوط لإعادة احتواء الأزمة ومنع خروجها عن السيطرة.

وفي ضوء المعطيات الراهنة، يمكن تصور خمسة سيناريوهات رئيسية خلال المرحلة المقبلة، تتوزع بين الاحتواء والتصعيد والانهيار التدريجي:

السيناريو الأول: الاحتواء المتبادل، حيث تتوقف العمليات العسكرية عند حدود الضربات المحدودة، مع استئناف الاتصالات غير المباشرة عبر الوسطاء الإقليميين والدوليين، بما يسمح بالحفاظ على الحد الأدنى من التفاهمات الأمنية.

السيناريو الثاني: التصعيد المنضبط، وهو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، بحيث تستمر الضربات والردود المحدودة دون الوصول إلى مواجهة شاملة، مع استمرار كل طرف في توجيه رسائل ردع للآخر، وهو نموذج شهدته المنطقة في أكثر من محطة خلال السنوات الماضية، لكنه يظل خطراً لأنه يُطيل أمد حالة اللاأمان الإقليمي.

السيناريو الثالث: التآكل الاستراتيجي، وهو مسار قد يكون أخطر من الحرب المفتوحة، ولا يقل ترجيحاً عن سابقه، و يبدأ هذا التآكل حين تتحول الضربات المتبادلة إلى حرب استنزاف إلكترونية وبحرية مستمرة، مع إغلاق تدريجي للمضيق أو فرض رسوم تأمين باهظة على الناقلات، قد ترفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية دون أن تعلن أي دولة الحرب رسمياً، وهذا التآكل يصعّب مهمة الوسطاء، لأن كلا الطرفين سيظن أنه قادر على تحمل تكلفة التصعيد المحدود، إلى أن تنهار قنوات الثقة تماماً، وتنزلق المنطقة نحو مواجهة أوسع لا يتحمل أي طرف مسؤولية إطلاق شرارتها الأولى.

السيناريو الرابع: الانهيار الكامل، ويصبح وارداً بقوة إذا توسعت الهجمات لتشمل إغلاقاً شاملاً لمضيق هرمز، أو استهدافاً واسعاً للقواعد الأمريكية، أو انخراط أطراف إقليمية إضافية (كإسرائيل أو المليشيات الموالية لإيران في العراق واليمن) في المواجهة، الأمر الذي قد يقود إلى حرب إقليمية ذات تداعيات دولية كبرى، هي الأسوأ من حيث التكلفة، لكنها الأقل احتمالاً نظراً لوعي الطرفين بحدود قوتهما.

السيناريو الخامس: العودة إلى طاولة التفاوض من موقع القوة، إذ قد تستخدم واشنطن الضغوط العسكرية لإجبار طهران على قبول ترتيبات أمنية أكثر صرامة، تشمل أمن الملاحة والبرنامج النووي والقدرات الصاروخية، بينما تحاول إيران توظيف قدرتها على الصمود للحفاظ على أكبر قدر ممكن من مكاسبها التفاوضية، وهو سيناريو مركب يتطلب وساطة دولية جادة.

وفي جميع الأحوال، فإن انعكاسات الأزمة لن تقتصر على طرفي الصراع، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي عبر ارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكاليف النقل والتأمين البحري، وارتفاع مستويات القلق في الأسواق المالية، بل الأعمق من ذلك، أن التهديد لمضيق هرمز ينعكس مباشرة على تكاليف سلاسل التوريد العالمية، إذ سيضطر الأسطول التجاري إلى الإبحار عبر طرق أطول (كالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح)، مما يضاعف تكاليف الشحن ويغذي التضخم العالمي. والأخطر أن إيران قد تستهدف البنية التحتية للطاقة في الجوار (كحقول الغاز أو محطات التحلية) كرسائل موازية، مما يحوّل الأزمة من مجرد صراع على المرور البحري إلى صراع على استمرارية أنماط الحياة في المنطقة، وهو ما قد يدفع القوى الكبرى (الصين و روسيا والاتحاد الأوروبي) إلى الضغط بقوة ليس فقط لاحتواء الأزمة، بل لفرض ترتيبات أمنية دولية جديدة تحت مظلة الأمم المتحدة، وهو ما قد يُخرج التفاهمات الثنائية من إطارها الضيق إلى رقعة دولية أوسع، قد تكون أكثر تعقيداً ولكنها أقل عرضة للانهيار الفردي.

إن القراءة الموضوعية للمشهد تشير إلى أن ما يجري اليوم ليس إعلاناً لنهاية التفاهمات الأمريكية الإيرانية، وإنما انتقال إلى مرحلة أكثر صعوبة في إدارة الصراع، تتداخل فيها أدوات الردع العسكري مع الحسابات السياسية والاقتصادية، وتتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية بشكل لم يسبق له مثيل، فالعلاقات بين واشنطن وطهران لطالما اتسمت بالتذبذب بين التصعيد والاحتواء، ويبدو أن الطرفين ما زالا يفضلان الحفاظ على هذا التوازن الهش بدلاً من الانزلاق إلى حرب مفتوحة لا يملك أي منهما ضمانات بشأن نتائجها.

وعليه، فإن مستقبل التفاهمات الأولية سيظل مرهوناً بقدرة الطرفين على ضبط إيقاع المواجهة، وبنجاح الوسطاء في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، ولكن مع إدراك جديد مفاده أن هذه التفاهمات لم تعد ملكاً ثنائياً، بل أصبحت رهينة بسباق نووي متسارع، وفيتوات إقليمية مزعزعة، واقتصاد عالمي يبحث عن بدائل، فالبديل عن إدارة هذا التوتر بدقة لن يكون مجرد أزمة ثنائية، بل مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي قد تمتد آثارها إلى إعادة تشكيل النظام الدولي برمته.

أكاديمي ومحلل سياسي يمني