تشخيصات بالقرعة.. "رحلة من السرطان إلى الغدة" .. كيف تحوّل بعض الأطباء في بلادنا إلى عرّافين بـ"سماعة"؟
في بلادنا، لا تحتاج إلى شهادات عليا لتصبح "طبيبًا ناجحًا"؛ يكفي أن تمتلك "سماعة" ووجهًا عابسًا، وقدرة فائقة على تحويل صداع بسيط في الرأس إلى مؤامرة كبرى تستوجب "جلسات كيماوية" أو رحلة علاجية إلى خارج الحدود.
لقد أصبح التمييز بين التهاب اللوزتين والسرطان أشبه بلعبة "اليانصيب" في ردهات بعض المستشفيات، حيث تُوزّع التشخيصات المرعبة كما تُوزّع الحلوى في الأعياد.
المواطن هنا ضحية عالقة بين "مشرط" الجزار و"وصفة" السماسرة؛ يسافر مكرهًا، يبيع أثاث منزله، ويستدين من أقاربه، فقط ليفاجأ في الخارج بأن "المرض العضال" لم يكن سوى نقص في فيتامين أو التهاب عابر.
إنها قصة وطن يُباع فيه الوهم مغلفًا بـ"تقرير طبي" مختوم، ليتحوّل التشخيص من علم إلى ضرب من التنجيم، ويتحوّل المريض من إنسان بحاجة إلى العلاج إلى "زبون" دائم في كشوفات الفواتير الباهظة.
أولًا: حكايات من دفتر المعاناة
الصدمة كانت كالصاعقة.. ولكن
يقول سالم العولقي:"دخلتُ المستشفى وأنا أحمل ابنتي الصغيرة بين يدي، ظنًا مني أننا سنخرج بعد ساعات بمرهم أو دواء بسيط، لكن الصدمة كانت كالصاعقة حين أبلغني الطبيب، ببرود أعصاب لا يُحسد عليه، أن ابنتي مصابة بسرطان الدم الحاد.
لم يمهلني حتى لاستيعاب حجم الكارثة، بل بدأ فورًا بجدولة جلسات الكيماوي، وكأنها وجبات غداء.
بعتُ سيارتي التي كانت مصدر رزقي الوحيد، وسافرت بها إلى الأردن، وهناك، وبعد سلسلة من الفحوصات الدقيقة التي لم تستغرق سوى ساعات، أخبرني الأطباء بدهشة أن ابنتي لا تعاني سوى من فقر دم حاد نتيجة سوء التغذية، ولا أثر للسرطان في جسدها الضعيف.
عدتُ بابنتي سليمة بفضل الله، لكنني عدتُ أيضًا بقلب محطم من الغدر، وديون طائلة ستظل تطاردني لسنوات طويلة، بينما بقي أولئك "الأطباء" في مدينتي يمارسون هوايتهم في بث الرعب بين الناس وتصنيفهم كمرضى في سجلات الموت."
من الزائدة إلى تدخل جراحي في صمامات القلب
قالت أمل المنصوري: "قصتي مع مستشفياتنا تشبه أفلام الرعب الكوميدية، فقد دخلت لإجراء عملية بسيطة للزائدة الدودية، ولكن يبدو أن الطبيب كان يطمح لزيادة رصيده البنكي من خلالي. خرجت من غرفة الفحص بتقرير طبي مرعب يشير إلى وجود خلل عضلي خطير في صمامات القلب يستوجب تدخلاً جراحياً فورياً. أصرَّ الطبيب بكل ثقة على ضرورة إجراء عملية قلب مفتوح، وكان يضغط عليَّ وعلى أهلي وكأنني سأموت خلال دقائق إذا لم أوافق.
سافرتُ إلى الخارج وأنا أودّع أهلي وكأنها الرحلة الأخيرة، لكن الطبيب هناك نظر إليَّ متعجباً بعد الفحص، ثم ضحك وقال لي بلهجة هادئة: "يا ابنتي، قلبك يعمل كالساعة، وما تعانين منه ليس إلا ضغطاً مرتفعاً قليلاً نتيجة الخوف والتوتر من طبيبك المحلي". عدتُ وأنا لا أعلم هل أبكي على التكاليف التي أهدرتها في رحلة وهمية، أم أضحك على منظومة طبية جعلت من قلبي السليم عِلّةً تستوجب الجراحة من أجل حفنة من الريالات."
كنت أعيش مع دوامة من الأدوية والأمر بسيط جداً
قال خالد الجابري: "لأكثر من عام كامل، كنت أعيش في دوامة من الأدوية والمضادات الحيوية باهظة الثمن التي وصفها لي أطباء "جهابذة" هنا، زاعمين أنني أعاني من التهاب مزمن لا يستجيب للعلاجات التقليدية.
كانت معدتي تشتكي من كثرة العقاقير، وجيوبي تفرغ كل شهر مع كل زيارة لصيدلية المستشفى الملحقة بعيادة الطبيب، وكلما راجعتهم أخبروني أن حالتي تحتاج إلى مزيد من الفحوصات ومزيد من الأدوية الأقوى.
وبعد عام من المعاناة مع أدوية جعلتني أشعر بأنني رجل في الثمانين من عمره، سافرت لغرض آخر وقررت مراجعة طبيب بسيط هناك، ليخبرني بعد دقائق أن ما أعاني منه ليس إلا حساسية موسمية بسيطة لا تستدعي أكثر من أقراص رخيصة جداً.
لقد كان الأطباء هنا يدركون تماماً أنني لست مريضاً بالتهاب مستعصٍ، ولكن يبدو أن الحساسية لا تدرُّ أرباحاً كما تدرُّ "الالتهابات المزمنة" التي تحول المريض إلى زبون دائم في متجرهم الخاص."
كذبوا علينا فقالوا!!
نبيل الفضلي قال: "أكدوا لأخي بعد أشعة مقطعية في أحد أكبر المراكز الطبية أن لديه تليفاً حاداً في الكبد، وأعطونا نصائح حول كيفية التعامل مع أيامه الأخيرة والاستعداد للوداع.
كانت تلك اللحظة هي الأسوأ في حياتنا، حيث انهار منزلنا بالكامل تحت وطأة الحزن، وبدأنا نجهز أوراق السفر للخارج في سباق مع الموت المزعوم الذي أعلنوه لنا. حجزنا تذاكر الطيران، ولكن بحدس شخصي وقبل السفر بيوم، قررنا سحب عينة للمختبر مرة أخرى في مكان مختلف، فإذا بالكبد يعمل كالساعة وبصحة ممتازة. تبين أن الخلل لم يكن في كبد أخي، بل في جهاز الأشعة المتهالك الذي لم يُصنَع منذ العصر الحجري، والذي يصور الأصحاء كمرضى والواقع كخيال. لقد كانوا يكتبون تقاريرهم بناءً على خردة حديدية، ونحن كنا نحرق أعصابنا ونجهز أكفاننا بناءً على جهلهم المطبق وغياب الحد الأدنى من الأمانة في تشغيل تلك الأجهزة."
حولوني من شخص يشكو من ألم بسيط في العضلات إلى مريض يحتاج لعمليات
رائد السعدي قال: "ذهبتُ بوجع طفيف في الظهر نتيجة الجلوس الطويل أمام مكتبي، فقام الطبيب دون حتى أن يطلب صورة أشعة بكتابة إبرة أعصاب باهظة الثمن، مؤكداً أنها الحل السحري الوحيد الذي سيعيدني للحياة. بعد أن أخذت الإبرة في المستشفى، سقطتُ مغشياً عليّ وفقدتُ التوازن لأيام كاملة، وكدت أفقد القدرة على المشي بشكل طبيعي. تبين لاحقاً بعد مراجعة أخصائي حقيقي أنني لا أحتاج سوى لتمارين رياضية بسيطة، وأن تلك الإبرة كانت بمثابة سلاح نووي لمشكلة تُحل بوضعية جلوس صحيحة وبعض الراحة. لقد حولوني من شخص يشكو من ألم بسيط في العضلات إلى مريض يحتاج لعمليات تأهيل وتوازن بسبب "وصفة" استعراضية، وكأن الطب بالنسبة لهم أصبح مجرد تجربة حية على أجسادنا الضعيفة لنرى أي دواء سيقتلنا وأي دواء سيجعلنا ننتظر الموعد القادم."
رأي الطبيب المتخصص
غياب بروتوكولات التشخيص
د. سامي مختار، استشاري باطني: "المشكلة في بلادنا ليست في نقص الأطباء، بل في غياب "بروتوكولات التشخيص" والاعتماد على "الحدس" بدلاً من الفحص المختبري الدقيق. هناك اندفاع نحو تشخيص الأمراض الخطيرة لأنها تجلب "الزخم" والمال، بينما يُهمل التشخيص السريري البسيط. كما أن اعتماد الكثير من المستشفيات على أجهزة فحص متهالكة وغير معايرة، يساهم في ظهور نتائج مضللة. الطبيب الحقيقي هو من يطلب الفحص للتأكد من فرضيته، لا من يضع فرضية مرعبة ليرى كيف سيتصرف المريض!"
الخاتمة
في نهاية هذه الرحلة العبثية، يظل المواطن هو "المريض الأول" الذي لا يجد من يشخص مرضه الحقيقي: الفقر والابتزاز. ليست المشكلة في الأطباء فقط، بل في منظومة صحية تحولت إلى دكان تجاري، حيث يُباع التشخيص لمن يدفع أكثر، وتُرتكب الأخطاء الطبية باسم "القدر".
نحتاج اليوم إلى رقابة صارمة، وإلى أطباء يضعون قَسَم أبقراط فوق حساباتهم البنكية. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى التشخيص في مستشفياتنا مجرد "تخمين"، وسيظل المواطن يحمل حقائبه ويرحل نحو المجهول، باحثاً عن حقيقة مرضه، وعن إنسانيته التي ضاعت بين جدران مستشفيات لا ترحم. ختاماً، ربما الأفضل أن نعتمد على "وصفات الجدات"، فهي على الأقل لا تكلفنا كرامتنا، ولا تُشخص صداعنا على أنه ورم في المخ، وتظل أكثر صدقاً في عالم بات فيه الطب تجارة رابحة تُدار بمشرطٍ لا يعرف الرحمة، وبسماعات لا تسمع إلا صوت المال!