أوهام "الجراحة بالجن" في مناطق الحوثي.. رحلة في دهاليز الخداع وادعاء العمليات المزعومة
في خضم الأزمات التي تعصف بالبلاد، وفي ظل بيئة تسيطر عليها مليشيا الحوثي، انتشرت في صنعاء ظاهرة مريبة تُعرف بـ "العيادات الروحانية" التي تدعي إجراء "عمليات جراحية" بواسطة الجن.
يعتمد هؤلاء الدجالون على استراتيجية محكمة: استغلال الحالات المستعصية، خلق هالة من الغموض، واستخدام الإيحاء النفسي والتمويه بخدع بصرية لإقناع المرضى بحدوث المعجزات عبر عمليات يزعمون أن كيانات غير مرئية تقوم بها.
تكتسب هذه الظاهرة أبعاداً أكثر تعقيداً في ظل تغاضي مليشيا الحوثي عنها، بل وترويج بعض أوساطها لمثل هذه الخرافات كبديل عن الخدمات الصحية المنهارة، مما يجعل المريض ضحية مزدوجة لنصب الدجالين وإهمال مليشيا الحوثي لمسؤولياتها كسلطة أمر واقع.
شهادات من داخل دائرة الوهم
خالد (مراقب
اجتماعي) قال:ما يحدث داخل هذه العيادات هو نوع من الغسيل النفسي الممنهج الذي يمارس على عقول البسطاء عندما يدخل المريض إلى هذا المكان، هو لا يأتي كشخص عادي، بل يأتي ككتلة من الألم والأمل المفقود، فيجد نفسه محاطاً بأجواء مشحونة بالترقب والغموض الذي يفرضه المشعوذون ببراعة.
يحرص القائمون على إبقاء المريض في حالة من التشتت الذهني، حيث الأصوات الخافتة، والبخور الكثيف، والتهويل في وصف الحالة بأنها "مس شيطاني". هذا الضغط النفسي يجعله يتقبل أي ادعاء، حتى لو كان منافياً للمنطق، ويخرج المريض مقتنعاً بالوهم ليس لأنه شُفي، بل لأن الحالة النفسية التي فُرضت عليه داخل العيادة أجبرته على تصديق أن ما يراه هو حقيقة، وهو في الواقع مجرد تمثيلية محبوكة تستهدف زعزعة استقراره العقلي لإخضاعه تماماً.
نصابين يتاجرون بآلامي وجسدي
سارة (ضحية سابقة)قالت:
عشت تجربة مريرة لن أنساها أبداً؛ أوهموني أنني أعاني من مرض عضال لا يعالجه إلا "الجن الموكل" بالخدمة في هذه العيادة أقنعوني بالاستلقاء على سرير معتم، وبدأ أحدهم بحركات سريعة وادعى أنه أجرى شقاً جراحياً في بطني، ثم سحب منه شيئاً مخيفاً زعم أنه "العلة". كنت في حالة من الضعف لدرجة أنني شعرت وكأنني أرى دماً يخرج، ولكن عندما استعدت وعيي لاحقاً بعيداً عن تأثير التنويم المغناطيسي، اكتشفت أن ما ظننته جرحاً جراحياً لم يكن إلا خدشاً سطحياً بآلة حادة أحدثوه ليخلقوا أثراً مرئياً يخدعون به عقلي إنها تجربة مرعبة تهدف للسيطرة على الضحية، وبعد أن أدركت حقيقة ما حدث، شعرت بإهانة شديدة لأنني سمحت لنفسي أن أكون أداة في يد نصابين يتاجرون بآلامي وجسدي.
وعود كاذبة لا أساس لها من العلم أو الواقع
د. عصام (طبيب عام):
بصفتي طبيباً، أواجه في عيادتي الخاصة تبعات هذه الممارسات المشينة بشكل شبه يومي، حيث يصل إلينا مرضى بحالات صحية متفاقمة جداً، بعد أن أمضوا أسابيع طويلة في رحلة بحث عن "علاج الجن". الأخطر من هذا أن المشعوذين يطلبون من المريض بوضوح التوقف عن تناول أدويته الطبية النظامية، بحجة أنها "تطرد البركة" أو تتعارض مع علاج الجن. هذا الفعل هو جريمة طبية بكل المقاييس؛ فالمريض الذي يعاني من ضغط دم أو سكري أو أورام خبيثة، يحتاج إلى استمرارية في العلاج ومتابعة دقيقة، وبسبب هؤلاء الدجالين، يفقد المريض فرصة ذهبية للشفاء الطبي.
نحن لا نحارب الخرافة فحسب، بل نحارب الموت الذي يتربص بهؤلاء المرضى نتيجة إهمالهم للصحة والاعتماد على وعود كاذبة لا أساس لها من العلم أو الواقع.
يستخدمون الخداع البصري والسمعي
أبو علي (شاهد عيان) قال:
لقد راقبت تحركاتهم لفترة طويلة، وهم يعتمدون على مهارة عالية في الخداع البصري والسمعي لجذب الضحايا يستخدمون أجهزة تسجيل دقيقة مخفية تصدر أصواتاً غريبة تحاكي ما يسمى بـ "حضور الجن"، إضافة إلى استخدام إضاءات ملونة وخافتة تحجب الرؤية الواضحة عن المريض، مما يجعله يظن أن الغرفة تمتلئ بكيانات غير مرئية. لاحظت أنهم يختارون أشخاصاً معينين، غالباً من كبار السن أو النساء اللواتي يعانين من ضغوط اجتماعية، ليعرضوا عليهم "معجزاتهم" المزعومة. الحيل التي يستخدمونها واضحة جداً لمن يمتلك حداً أدنى من التفكير النقدي؛ إذ يركزون على إبهار العين وإرباك الأذن، وكلها أفعال مصممة بعناية لخلق هيبة زائفة لهذا المكان، وكل ذلك هدفه الوحيد هو الإيقاع بالضحايا في شبكة النصب المستمرة التي لا تنتهي.
سوء الخدمات الصحية سببا في انتشار هذه الشعوذة والدجل
نادية (باحثة اجتماعية) قالت:
السر الحقيقي وراء انتشار هذه العيادات ليس العلاج، بل هو الربح المادي الفاحش الذي تجنيه هذه العصابات من جيوب الفقراء. إنهم يدركون جيداً أن الناس في ظروفنا الاقتصادية الصعبة يعجزون عن دفع تكاليف العمليات الجراحية الحقيقية في المستشفيات الخاصة، فيستغلون هذا الوضع ليقدموا أنفسهم كبديل رخيص أو سريع. لكنهم في الحقيقة يجمعون مبالغ طائلة من خلال "رسوم الدخول"، "رسوم القراءة"، و"رسوم العلاج الروحاني" التي تتراكم لتصبح ثروة خيالية يومياً. هؤلاء لا يهتمون بصحة المريض، بل يبحثون عن استنزاف كل قرش يملكه المريض وعائلته، مستغلين حالة اليأس الاجتماعي للترويج لنفسهم كمنقذين، بينما هم في الواقع أكبر المستفيدين من انهيار المنظومة الصحية التي تحمي الناس من الوقوع في فخ هذه الممارسات الاستغلالية واللاإنسانية.
هؤلاء ليسوا إلا قتلة يتاجرون بمستقبل العائلات وأرواح الأبناء دون أي وازع أخلاقي
سعيد (ولي أمر مريض) قال:
لقد دفعت ثمناً غالياً جداً جراء تصديقي لهذه الأوهام، فقد أقنعوني أن ابني يعاني من علة في الكبد وأن الجراحة التي يجريها "الشيخ" هي الحل الوحيد والنهائي. قمت ببيع مصاغ زوجتي واقتراض مبالغ كبيرة لتأمين تكاليف "العملية"، وكنت أظن أنني أقوم بعمل بطولي لإنقاذ حياة ابني. طوال فترة العلاج، كانوا يمنعوننا من الاقتراب أو رؤية ما يحدث داخل الغرفة بحجة "حرمة الجن". وبعد أن انتهت العملية المزعومة، خرج ابني وهو في حالة أسوأ بكثير مما دخل بها، واكتشفت لاحقاً أن ما دفعته ذهب في مهب الريح ولم يتغير وضع ابني الصحي قيد أنملة. لقد كانت تجربة قاسية علمتني أن أؤمن فقط بما يقوله الأطباء المختصون، وأن هؤلاء ليسوا إلا قتلة يتاجرون بمستقبل العائلات وأرواح الأبناء دون أي وازع أخلاقي.
المريض يخرج وهو أكثر عرضة للأخطار الجسدية والعدوى مما كان عليه قبل دخوله
هند (ممرضة سابقة):
عملت في بيئات طبية حقيقية لسنوات طويلة، وأستطيع أن أؤكد لكم أن ما يحدث في تلك العيادات لا يمت للطب بأي صلة، فهي تفتقر لأدنى معايير التعقيم التي نلتزم بها في أي مستشفى. لا يوجد في تلك الغرف أدوات جراحية معقمة، ولا غرف عمليات مهيأة، ولا حتى مستلزمات طبية أولية، بل يعتمدون فقط على زيوت وماء مقروء عليه، وأحياناً أدوات بدائية تستخدم للتمويه. رأيت كيف يتعاملون مع الضحايا كأنهم دمى، مستخدمين طرقاً غير صحية إطلاقاً قد تنقل الأمراض المعدية من مريض لآخر بسبب انعدام النظافة والاحترافية.
إنها بيئة ملوثة ومخيفة، وكل ما يفعله هؤلاء هو وضع مساحيق وتأثيرات لإيهام الناس بوجود تطور طبي، بينما الحقيقة أن المريض يخرج وهو أكثر عرضة للأخطار الجسدية والعدوى مما كان عليه قبل دخوله.
خداع جماعي منظم
ياسر (ناشط حقوقي)قال:
هذه العيادات تستند في ترويجها إلى "شهود" يتم اختيارهم بعناية فائقة ليكونوا "كومبارس" يؤدون أدواراً تمثيلية مذهلة. في الغالب، هؤلاء الأشخاص هم أفراد مرتبطون بالشبكة الإجرامية نفسها، ويتم توظيفهم ليتظاهروا بأنهم شُفوا من أمراض مستعصية، مما يخلق ثقة مصطنعة لدى المرضى الجدد الذين ينتظرون في الخارج. هذا التلاعب النفسي هو أداة جذب قوية؛ فعندما يرى المريض شخصاً يخرج من العيادة وهو يهلل ويشكر "الشيخ" على شفائه، يندفع المريض الجديد بثقة أكبر لدفع المال.
إنهم يمارسون نوعاً من الخداع الجماعي المنظم، حيث يتبادلون الأدوار لضمان استمرار تدفق الضحايا وضمان بقاء عملهم مربحاً، وهذه الجريمة تستوجب ملاحقة قانونية حازمة لإنقاذ الناس من هذا النصب العلني.
هذه الجريمة تستوجب ملاحقة قانونية حازمة لإنقاذ الناس من هذا النصب العلني
منصور (تاجر في المنطقة):
بحكم عملي بالقرب من موقع هذه العيادات، أرى الحشود تتوافد بشكل يومي وكأنها رحلات حج، وهو في الحقيقة مشهد مثير للريبة والشفقة في آن واحد. ألاحظ أن الناس عندما يجتمعون بأعداد كبيرة، يتبنون سلوكاً جمعياً يمنعهم من التشكيك في صحة ما يحدث، حيث يشعر الفرد بالخجل أو الخوف إذا حاول الاعتراض أمام الآخرين. الضغط الاجتماعي داخل هذا التجمع يفرض على الجميع الصمت والموافقة، مما يجعل المريض يشعر وكأنه جزء من "معجزة" جماعية لا يجرؤ أحد على كشف حقيقتها. هذه الحشود هي وسيلة دفاعية للمشعوذ، حيث يستخدمها كدرع يحميه من أي مساءلة، فكيف يمكن لجميع هؤلاء أن يكونوا على خطأ؟ هذا السؤال هو الفخ الذي يقع فيه المريض، بينما الحقيقة هي أن الجميع ضحايا لنفس الخدعة.
الرقية الشرعية لاتتضمن جراحة هؤلاء كاذبون
فاطمة (معلمة) تقول:
أكبر مأساة هي استخدام الدين لتغليف هذه الأفعال الشنيعة؛ فهم يقرأون آيات كريمة وأذكاراً شريفة في بداية الجلسات ليعطوا صبغة دينية مقدسة لكل ما سيحدث لاحقاً من دجل. هذا التغليف يمنع الكثير من البسطاء من انتقاد العيادة أو الشك في نزاهتها، لأنهم يخشون أن اتهام "الشيخ" بالدجل هو اتهام للقرآن نفسه.
إن هذا الاستغلال للعاطفة الدينية هو أشد أنواع الظلم، فهو يغلق باب العقل ويجعل المريض يستسلم تماماً ظناً منه أن هذا هو الدين.
يجب أن نوضح للمجتمع أن الرقية الشرعية لها أصولها، وأنها لا تتضمن جراحة ولا شعوذة ولا استغلالاً مادياً، وأن الله أمرنا بالأخذ بالأسباب والبحث عن الشفاء في العلم والطب، لا في ممارسات تنتهك حرمة الدين وتستغل ثقة المؤمنين الباحثين عن العافية والسكينة.
الحقيقة الشرعية والعقلانية
إن الإسلام بريء من هذه الممارسات التي تتنافى مع جوهر التوحيد والعقل، وهي ممارسات تجد بيئة خصبة للنمو في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي التي تُغيب العلم وتُروج للخرافة لإشغال المجتمع عن انهيار الخدمات الأساسية. فالعلاج الشرعي هو "الرقية بالقرآن والأذكار" كما ورد في السنة، دون ادعاءات الخوارق أو ادعاء إجراء عمليات جراحية بالجن. إن اللجوء للدجل ليس تديناً، بل هو تغييب للعقل الذي كرم الله به الإنسان.
إن الواجب الشرعي والأخلاقي يحتم علينا التمييز بين العلاج بالأسباب الطبيعية وبين الشعوذة التي تتخذها مليشيا الحوثي وسيلة للتحكم وتغييب الوعي. فالمرض قدر، وطلب الشفاء عبر الطب والعلوم الموثوقة هو الأخذ بالأسباب التي أمرنا بها ديننا. لا تكن صيداً سهلاً؛ فالطريق إلى الصحة يبدأ بعيادة الطبيب، وينتهي عند المختبر، لا في سراديب من يتاجرون بآلامك تحت غطاء الخرافة التي تكرسها مليشيا الحوثي.