في مدينة الحديدة.. حين تتحول "الدراجة النارية" إلى وحش كاسر في ظل مليشيا الحوثي

في مدينة الحديدة.. حين تتحول "الدراجة النارية" إلى وحش كاسر في ظل مليشيا الحوثي
مشاركة الخبر:

لم تعد شوارع مدينة الحديدة، تلك المدينة التي عُرفت تاريخياً بدماثة أهلها وبحرها الذي يغسل قلوب القادمين، مكاناً آمناً للمرور كما كانت. فقد استيقظت مديرية "الحوك" مؤخراً على واقعة تجسد في قسوتها ذروة الانحدار الأخلاقي؛ سيدة بسيطة تحمل في حقيبتها ليس مالاً للرفاهية، بل أماناتٍ لجمعية ادخارية تعتمد عليها بيوت وعوائل أنهكها العوز، وجدت نفسها فجأة في مواجهة مع "وحشٍ على دراجة نارية"، سلبها مالها، وأسقط كرامتها على الإسفلت، ثم توارى كأن الأرض انشقت وابتلعته.

لصوص الزمن الجميل.. والزمن الرديء
في قصص الماضي، كان اللصوص يمتلكون على الأقل شرف "الاستتار"، أو ربما كانت لديهم بقايا خوف من نظرة المجتمع. أما اليوم، فقد ظهر صنف جديد من "أشباه الرجال"، الذين يرون في الدراجة النارية وسيلة للفرار من الضمير والقانون.
هؤلاء الذين يتنكرون في هيئة بشر، يظنون أنهم بسرقة حقيبة قد حققوا انتصاراً، وهم في الحقيقة لا يعدون أكثر من طفيليات تعتاش على دماء الضعفاء. إن المشهد الذي سُحلت فيه هذه السيدة في وضح النهار ليس حادثاً عرضياً أو خطأً فردياً، بل هو سقوط مدوٍ لمفهوم الرجولة.
فأي شجاعة تلك التي يمتلكها من يتربص بامرأة وينقض عليها من الخلف ليخطف قوت يومها؟ إنها "بطولة" زائفة يمارسها من فقد البوصلة الدينية والأخلاقية، واختار طريق البلطجة مهنةً وحيدة يتقنها.

أصوات من وجع الشارع.. شهادات على الانفلات
خلف هذا الحادث تكمن قصة أكبر من مجرد سرقة، إنها قصة مدينة تعاني من غياب سلطة الدولة وتغول "اللادولة".
يقول الحاج عبدالواحد علي، أحد أعيان المنطقة وشاهد عيان على تدهور الوضع الأمني: "لقد أصبحت الحديدة اليوم غابة، لا لأن الوحوش كثرت، بل لأن من نصبوا أنفسهم حماةً لها انشغلوا بجمع الإتاوات عن حماية الأرواح. هذه المليشيا التي تسيطر على مفاصل الأمن، لا تجدها إلا حين يتعلق الأمر بملاحقة أصحاب البسطات أو تكميم الأفواه، أما حين تُسحل امرأة في وضح النهار ويُنهب قوت عوائل تعيش على الكفاف، فإن الأجهزة الأمنية تغيب كما لو أنها لم تكن".
وأضاف: "إن هذا الانفلات ليس قدراً، بل هو نتيجة طبيعية لمنظومة أمنية تخلت عن واجبها الأخلاقي والوطني، وأصبح همها الأول استعراض القوة على الضعفاء، بينما يُترك قطاع الطرق يعيثون في الأرض فساداً، وكأنهم يمنحون هؤلاء المجرمين صك براءة مقابل صمتهم أو عجزهم أمام هذه الظواهر التي باتت تفتك بأمن كل بيت في الحوك".

من جانبه، يرى الناشط الحقوقي خالد العبسي أن الخطر يتجاوز المال ليصل إلى تهديد السلم الاجتماعي، قائلاً: "هذه العصابات التي تمتطي الدراجات النارية لم تعد مجرد سارقين أفراد، بل تحولت إلى ظاهرة سرطانية تهدد النسيج المجتمعي بأكمله. الخطر الحقيقي يكمن في شعور الناس بأنهم بلا ظهر، وأن القانون أصبح مجرد حبر على ورق لا يُستخدم إلا في تصفية الحسابات السياسية".
وأضاف: "إن السماح لهذه العصابات بالاستمرار دون ردع يزرع في النفوس بذور اليأس، ويجعل كل فرد مشروع ضحية في أي لحظة. نحن لا نتحدث عن فقدان مال أو حقيبة، بل عن ضياع هيبة الدولة التي استبدلت الأمن بالفوضى، وحولت المدن الآمنة إلى ساحات للمطاردات والبلطجة".

السكون شريك الجريمة
ما يبعث على الأسى أكثر من الجريمة نفسها هو هذا الصمت الذي يلف المشهد. فكل دقيقة صمت تمر، وكل تجاهل لهذه الحوادث، يمثل ضوءاً أخضر لهؤلاء المعتدين ليستمروا في نهش جسد المجتمع.
إن الجريمة في "الحوك" ليست مجرد سرقة مبلغ مالي، بل هي سرقة للأمن والأمان الذي كان يميز بيوت الحديدة.
فالحقوق لا تُسترد بالدعاء وحده، بل بعدالة تُنفذ في ساحات المدن، لتعيد للشارع هيبته، وللضعفاء حقهم، وللرجولة معناها الذي ضاع وسط فوضى الدراجات النارية.
يا من استقويت على امرأة، وتظن أنك أفلتّ بفعلتك؛ اعلم أن الحديدة لا تنسى، وأن الوجوه التي أهنتها ستبقى شاهدة عليك، وأن الحق لا يضيع ما دام هناك صوت حر يرفض أن تكون مدينته مرتعاً للصوص.