عمران تحت حكم مليشيا التدمير والخراب .. الرعب لم يعد محصورًا في الميادين، بل تسلل إلى جدران البيوت

عمران تحت حكم مليشيا التدمير والخراب .. الرعب لم يعد محصورًا في الميادين، بل تسلل إلى جدران البيوت
مشاركة الخبر:

تخضع محافظة عمران، التي تُعد البوابة الشمالية للعاصمة، لواقعٍ أمني وإنساني يتسم بالتعقيد والقسوة، حيث تحولت المحافظة، التي كانت يومًا ما رمزًا للتعايش القبلي والمدني، إلى منطقةٍ تُدار فيها الحياة عبر مفاتيح الرعب وتغييب القانون. وفي الأشهر الأخيرة، أخذت الأوضاع الأمنية في عمران منحًى تصاعديًا خطيرًا، متجاوزةً الحدود الطبيعية للنزاعات القبلية، لتصبح أداةً ممنهجةً لفرض سلطة الأمر الواقع وإخضاع المجتمع عبر سلسلة من الانتهاكات التي تطال الحق في الحياة والحرية والكرامة الإنسانية، وسط صمتٍ مطبقٍ يلفّ المعاناة اليومية للأهالي.

خارطة الرعب: الشوارع التي لم تعد آمنة
تتجلى حالة التردي الأمني في انتشار مظاهر السلاح غير المنضبط، حيث تُحسم الخلافات الشخصية والقبلية والمدنية في قلب الأسواق والأحياء السكنية عبر فوهات البنادق، في استباحةٍ كاملةٍ للشارع العام.
إنَّ ظاهرة استخدام السلاح المتهور في الأماكن العامة ليست مجرد حوادث عارضة، بل هي انعكاسٌ لغيابٍ تام لهيبة الدولة والقضاء، حيث يُسجل المواطنون يوميًا مشاهد مرعبة لمسلحين يصفّون حساباتهم في وضح النهار، مما أدى إلى مقتل أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل، سوى أنهم تصادف وجودهم في مكان الحادث، وهو ما خلق حالةً من "الخوف الجمعي" أجبرت السكان على تقييد حركتهم خوفًا من رصاصٍ طائشٍ أو مواجهاتٍ مفاجئة.

اغتيالات في الظل: تصفية الحسابات تحت غطاء "القضاء والقدر"
والأكثر إثارةً للقلق هو تزايد حوادث القتل الموجهة والاغتيالات الغامضة التي تستهدف وجهاء وناشطين، وحتى مواطنين بسطاء ممن رفضوا الانصياع لتوجهات قوى النفوذ من مليشيا الحوثي التخريبية، حيث تُرتكب هذه الجرائم تحت غطاء الفوضى الجنائية، دون أن تُفتح تحقيقات جادة لكشف الجناة، مما عزز القناعة بأن القانون معطلٌ عمدًا، وأن حياة الإنسان في عمران أصبحت أرخص من ثمن رصاصة.
أما سجل الاختطافات والاعتقالات التعسفية، فقد طال شرائح واسعة من المجتمع؛ إذ تتم مداهمة المنازل ليلًا، وترويع الأطفال والنساء، واقتياد المئات من الشباب إلى معتقلات غير رسمية بتهمٍ واهية، منها "التحقيق الجنائي" أو "الأمن"، بينما الحقيقة أنهم دفعوا ثمن رفضهم للابتزاز المالي أو مطالبتهم بحقوقهم المسلوبة.

العدالة المعطلة: حين تصبح ملفات الجرائم حبيسة الأدراج
إنَّ تفاقم هذه الجرائم هو نتيجةٌ طبيعيةٌ لتحويل المحافظة إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات بين أطراف النفوذ، حيث يتم تسخير عناصر مسلحة للقيام بمهامٍ قذرة تحت ستار "العمل الجنائي"، لضمان إفلات الجناة من العقاب وتضليل الرأي العام. وتكشف الوقائع اليومية أنَّ الكثير من بلاغات القتل والاعتداء تظل حبيسة الأدراج، أو يتم لفلفتها بصفقاتٍ ماليةٍ مشبوهة، مما جعل العدالة في عمران تبدو كسرابٍ لا يمكن الوصول إليه.
علاوةً على ذلك، أدى تغييب دور المشايخ والوجهاء، الذين كانوا صمام أمانٍ لفض النزاعات، إلى فراغٍ قيمي، حيث تم استبدالهم بـ"مشرفين" لا يمتون بصلةٍ لخصوصية المدينة وقيمها، مما زاد من حدة الصراعات العبثية حول ممرات المياه أو حدود الأراضي، التي تتحول إلى معارك دامية.

المجتمع تحت الحصار: حياةٌ خلف أبوابٍ موصدة
إنَّ حالة الذعر التي أصابت النساء، خاصةً بعد حوادث الابتزاز والانتهاكات المباشرة، فرضت على المجتمع نوعًا من "الإقامة الجبرية" الاختيارية؛ إذ باتت الأسر تحصي أنفاسها، وتخشى أي تحرك خارج نطاق المألوف خوفًا من الملاحقة أو التلفيق.
إنَّ هذا التردي الأمني يتوسع كالنار في الهشيم، ويحمل في طياته مخاطر وجودية تهدد السلم الاجتماعي، إذ لم يعد الرعب محصورًا في الميادين، بل تسلل إلى جدران البيوت، مما حول حياة المواطن إلى رحلةٍ يوميةٍ محفوفةٍ بالمخاطر، لا يضمن فيها المرء عودته إلى أهله سالمًا.
لقد آن لهذا الظلم، الذي أثقل كاهل عمران، أن ينجلي، فالتاريخ يخبرنا أنَّ الطغيان لا يبني مدنًا، بل يورثها رمادًا من الضغينة التي تتراكم بصمت.
إنَّ استعادة الأمن لا تُبنى على أنقاض الخوف وسلطة الرصاص، بل تُشيَّد على دعائم العدل الذي يسترد للمظلوم حقه، ويعيد للمدينة نبضها المفقود.
فالأمن الحقيقي ليس في قبضةٍ ترهب، بل في روحٍ تطمئن، وفي مؤسساتٍ تحمي ولا تضطهد، وتصون كرامة الإنسان قبل أن تصون حدود المكان.
وإنَّ استعادة العدالة باتت ضرورةً ملحة، بل هي طوق النجاة الوحيد الذي يمكنه انتشال عمران من هذا النفق المظلم قبل فوات الأوان.
فالعقلاء يدركون أنَّ تراكم الظلم يغلق أبواب الحوار، ويفتح على مصراعيه رياحًا عاتيةً لا تستثني أحدًا من تداعياتها الوخيمة على السلم المجتمعي.
إنَّ إنسانية المدينة التي يحاول البعض إخمادها هي جوهر بقائها، وبدونها لا قيمة لأي عمران، ولا معنى لأي استقرارٍ هشٍّ مبني على قهر النفوس.
فليكن خيار العدل هو الطريق البديل، قبل أن يبتلع هذا الرعب ما تبقى من طمأنينة، وقبل أن تضطر المدينة إلى كتابة فصول نهايتها بأيدٍ يائسة.
فالمستقبل لا يُصنع بالبنادق التي تُصوَّب نحو الصدور، بل بالعدالة التي تُنصف القلوب، وتعيد للناس حقهم في الحياة بأمنٍ وكرامةٍ وسلام.