الديمقراطية ليست ترفاً.. بل طوق نجاة

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في زمنٍ مثقلٍ بالأزمات والخطوب، قد يبدو الحديث عن الديمقراطية لدى البعض ضرباً من الترف الفكري الذي لا يلامس أنين الواقع. فالمواطن اليوم، تحت وطأة المعاناة، لا يشغله شكل النظام السياسي بقدر ما تؤرقه أسئلة البقاء: هل سيستلم راتبه؟ هل سيأمن على نفسه وأطفاله؟ وهل يستطيع توفير قوت يومه ليعود إلى بيته سالماً؟
هذه أسئلة مشروعة تلخص جوهر العيش الكريم. لكن السؤال الأعمق والواجب طرحه هو: كيف وصلنا إلى هذا المنحدر السحيق؟
لم يصبح الرغيف حلماً لأن الناس تقاعست عن العمل، ولم يتحول الأمان إلى أمنية لأن المجتمع تخلّى عن قيمه. بل حدث ذلك لأن الدولة تراجعت، أو جرى اختطافها. وحين تُحتكر السلطة، وتغيب الرقابة، وتُدار الموارد خلف كواليس العتمة بعيداً عن المساءلة، يشرعن الفساد كأمر واقع، ويغدو المواطن الحلقة الأضعف التي تدفع الثمن جوعاً، وخوفاً، وحرماناً.
هنا تحديداً، تبرز الديمقراطية كضرورة وجودية لا كترف متاح؛ فهي ليست مجرد صناديق اقتراع أو شعارات رنانة، بل هي منظومة مؤسسية متكاملة تضمن:

* المساءلة والمحاسبة: وجود سلطة تُحاسَب إذا انقطعت الرواتب أو نُهبت المقدرات.
* السيادة والأمن: جهة مسؤولة تُسأل وتتحمل العواقب إذا غاب الأمن والانضباط.
* التداول السلمي: أداة دستورية تمنح الشعب حق التغيير إذا فشل المسؤول في إدارة شؤون العباد.

في غياب هذه المنظومة، تتحول الدولة من كيانٍ في خدمة المجتمع إلى سلطةٍ متسلطة فوقه. وعندما تغيب المؤسسات، يلتهم النفوذ كل شيء، وحين يتوارى القانون، يتقدم السلاح ليفرض شريعته، وعندما يُقصى صوت الناس، تُملى عليهم خيارات ومصائر لا تعبر عن إرادتهم.
قد يرى البعض أن الأولوية القصوى الآن هي لإيقاف آلة الحرب وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة، وهذا الطرح صحيح من حيث الترتيب الإنساني. لكن ما لا يمكن التغاضي عنه هو أن الانقلاب على الديمقراطية والمؤسسات، والاحتكام إلى لغة السلاح بدلاً من الشرعية الدستورية، هو السبب الرئيس الذي أودى بالبلاد إلى هذا الواقع المأساوي.
وهنا تبرز ذكرى 17 يوليو كشاهد تاريخي ومحطة محورية؛ فالتذكير بالتجارب السياسية والمسارات الدستورية السابقة ليس مجرد حنين عاطفي إلى الماضي، بل هو استدعاء واعٍ لنهج كان يتيح –رغم تعثراته– إمكانية التصحيح الذاتي، ويمنح المجتمع الأدوات السلمية لمراجعة الأخطاء وتقويم الاعوجاج.
إن التخلي عن المبادئ المتمثلة في هذه المحطات التاريخية، واستبدالها بسلطة الأمر الواقع، جعل الأخطاء تتراكم والملفات تتأزم، حتى غدت الحياة الإنسانية نفسها مهددة بالزوال.

ترتبط الديمقراطية ارتباطاً عضوياً وثيقاً بحقوق الإنسان، حتى يمكن الجزم بأنهما وجهان لعملة واحدة:

* فلا وجود لديمقراطية حقيقية دون صون كامل للحقوق والحريات العامة والخاصة.
* ولا قيمة حقيقية للحقوق إن لم تحمها منظومة حكم شرعية خاضعة لإرادة الناس ورابطة رقابتهم.

إن كرامة الإنسان لا تُصان، وحقه في التعبير، والعمل، والتعليم، والعيش الكريم لا يُكفل، إلا تحت مظلة دولة المؤسسات والقانون. ومستقبل البلاد وأي معالجة حقيقية وجادة لأزماتها، لن يُكتب لها النجاح إذا تجاهلت هذه الجذور، أو حاولت القفز فوق المسار الديمقراطي والشرعي الذي يمثل المخرج الوحيد من نفق الصراعات المظلم.