الأسواق العالمية: بين تفاؤل الذكاء الاصطناعي وقلق سياسات ترامب

الأسواق العالمية: بين تفاؤل الذكاء الاصطناعي وقلق سياسات ترامب
مشاركة الخبر:

على الرغم من تصاعد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية المرتبطة بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا تزال الأسواق العالمية، وخاصة الأسهم الأمريكية، تظهر درجة عالية من الثقة، مدعومة بانتشار الذكاء الاصطناعي وأداء أرباح الشركات القوي. في المقابل، بدأت أسواق السندات ترسل إشارات متباينة، مع ارتفاع تدريجي في العوائد يعكس قلق المستثمرين المتزايد بشأن آفاق المالية العامة الأمريكية والتضخم.

جاءت أحدث هذه التطورات مع تصاعد التوترات في منطقة الخليج، بما في ذلك المخاوف المتعلقة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة عالمياً. يرى المحللون أن استمرار هذه التوترات يزيد احتمالات تعرض الاقتصاد العالمي لصدمات في الإمدادات، ويعيد إلى الواجهة مخاطر الركود التضخمي إذا ارتفعت أسعار الطاقة لفترة طويلة.

تواصل الإدارة الأمريكية استخدام الرسوم الجمركية والسياسات التجارية كأدوات رئيسية في مفاوضاتها مع شركائها التجاريين، مما يضيف قدراً من عدم اليقين أمام الشركات والمستثمرين. ويرى اقتصاديون أن هذه السياسات، إلى جانب إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، تقلص بعض المكاسب التي حققتها العولمة خلال العقود الماضية. ومع ذلك، لا يزال صندوق النقد الدولي يتوقع نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3% في عام 2026 و3.4% في عام 2027، رغم الاضطرابات التي شهدتها أسواق الطاقة.

في المقابل، تدعم الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي الأسواق الأمريكية، حيث عزز الإنفاق على مراكز البيانات وأشباه الموصلات والبنية التحتية الرقمية موجة قوية من التفاؤل بين المستثمرين. لكن بنك التسويات الدولية (BIS) يحذر من أن التاريخ يظهر أن معظم الطفرات التكنولوجية الكبرى جذبت استثمارات تجاوزت في نهاية المطاف العوائد الاقتصادية، قبل أن تشهد الأسواق لاحقاً فترات تصحيح مؤلمة.

يأتي هذا التفاؤل في وقت يواصل فيه الاقتصاد الأمريكي العمل في بيئة مالية توسعية، مع استمرار عجز الموازنة عند نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغ الدين العام مستويات هي الأعلى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت نفسه، لم ينجح الاحتياطي الفيدرالي بعد في إعادة التضخم بشكل مستدام إلى مستهدفه البالغ 2%.

رغم استمرار مكاسب الأسهم، يرى عدد من المحللين أن سوق السندات بدأت تعكس قدراً أكبر من الحذر، مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل منذ جائحة كورونا، في إشارة إلى مطالبة المستثمرين بعائد أعلى مقابل تحمل المخاطر المرتبطة بالدين والتضخم. ويحذر خبراء أيضاً من أن الاعتماد المتزايد على أدوات الدين قصيرة الأجل يزيد حساسية المالية العامة لأي ارتفاع جديد في أسعار الفائدة.

تواجه البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة تحدياً متزايداً، إذ إن مكافحة التضخم عبر رفع أسعار الفائدة ترفع في الوقت نفسه تكلفة خدمة الدين الحكومي. كما تضيف عوامل أخرى ضغوطاً طويلة الأجل على المالية العامة، من بينها ارتفاع الإنفاق المرتبط بشيخوخة السكان، وزيادة الموازنات الدفاعية، والاستثمارات المطلوبة لمواجهة تغير المناخ.

ورغم أن الأسواق لا تظهر حتى الآن مؤشرات على اضطرابات حادة، فإن تزايد الديون، واستمرار العجز المالي، وارتفاع عوائد السندات، إلى جانب التوترات الجيوسياسية، قد يدفع المستثمرين خلال الفترة المقبلة إلى إعادة تقييم مستوى المخاطر في الأصول الأمريكية. ويرى محللون أن سوق السندات قد تكون أول من يعكس هذا التحول، إذ غالباً ما تستجيب بشكل أسرع للتغيرات في توقعات التضخم والاستدامة المالية مقارنة بأسواق الأسهم.