عصيان مدني في مساجد صنعاء .."خُطبٌ لا تُسمع، وحُكمٌ لا يُطاع .. حين يُصلي الحوثي لنفسه في مساجد صنعاء الخاوية."
لم يعد المصلون في صنعاء يرتادون المساجد لسماع "الوعظ"، بل باتوا يرتادونها ليطبقوا فنون "الصمت الاستراتيجي". يدخل الخطيب الحوثي بعباءته الموشاة بوعود الجنة التي تضيق لتتسع فقط لمن رضي عنهم "سيدهم"، فيعتلي المنبر ليقذف في وجوه المصلين سيلًا من التحريض، متوهمًا أنه يفتح القسطنطينية، بينما لا يفتح في الحقيقة سوى "شهية" المصلين للقيام بانسحاب تكتيكي جماعي. وما إن يشرع في "التحشيد" حتى تبدأ حركة أقدام غير مرئية؛ إذ يبادر المصلون إلى أداء صلاة الظهر بصمت جنائزي، تاركين الخطيب يصارع الصدى في قاعة تبدو للناظر من الخارج عامرة، بينما تعاني من الداخل فراغًا عاطفيًا وسياسيًا فادحًا.
لقد أدرك الناس أن المساجد التي كانت ملاذًا للروح، قد حولتها المليشيا إلى "محطات وقود" للتعبئة الأيديولوجية؛ لذلك قرر المجتمع أن يعاقب الجلاد بـ"اللامبالاة"، واضعًا إصبعه في أذن قلبه، ليؤكد أن المليشيا التي فشلت في إقناع المصلين بخطابها، هي حتمًا أعجز من أن تقنعهم بشرعية حكمها الذي لا يرتكز إلا على فوهة البندقية.
آراء من قلب الحدث:
أبو أحمد (متقاعد):"الخطيب يبدأ بالحديث عن تقوى الله، وما هي إلا دقائق حتى ينتهي بفرض الإتاوات على تجار الحي. صرت أخرج من المسجد وأنا أشعر أن ذنبي الوحيد هو أنني استمعت لدقائق إلى هذا العبث."
خالد (طالب جامعي):"نحن لا ننسحب من المسجد كفرًا، بل ننسحب من السياسة التي تلوث طهارة المكان. الحوثي يظن أنه مسيطر على الحجر، لكنه لا يدري أنه فقد السيطرة على قلوب البشر."
سارة (ناشطة حقوقية):"هذه الظاهرة استفتاء صامت. عندما يرفض اليمني الاستماع إلى خطيبك، فهو يخبرك بوضوح: أنا لا أقبل بوجودك فوق رأسي، فكيف سأقبلك فوق كرسيك السياسي؟"
الشيخ عبد الكريم (عالم دين سابق):"المنابر أمانة، وتحويلها إلى منصات لتوزيع التخوين انتهاك لحرمة المسجد. المصلون اليوم يعيدون تعريف معنى 'الاعتصام'؛ بالخروج من الصفوف."
سليم (موظف حكومي):"في المسجد يطلبون مني 'الجهاد'، وفي مكتبي ينهبون راتبي. كيف لي أن أثق بخطاب يطالبني بالزهد، بينما يمارس خطيبه الترف على حساب قوت أولادي؟"
أمين (مراقب سياسي):"هناك فرصة تاريخية للشرعية والمطارح. الرفض الاجتماعي للمليشيا ليس حكرًا على المساجد؛ إنه غليان تحت الرماد، ينتظر فقط من يدرك حجم هذه الفجوة وينتصر للمواطن الذي بات يحلم بدولة لا تلاحقه حتى في صلاته."
خاتمة:
إن ظاهرة الهروب من خُطب الجمعة في صنعاء ليست مجرد "خلاف فقهي" أو "ملل من الخطابة"، بل هي إعلان صريح عن نهاية "الشرعية الأخلاقية" للمليشيا في وعي الناس.
حين يفضل المواطن أن يؤدي صلاة الظهر في ركن قصي من المسجد، أو يغادر قبل اكتمال خطبة الجمعة، فإنه يمارس أرقى أنواع العصيان المدني؛ إذ يخبر المليشيا بأنها لا تملك سوى "السماعات" التي تضخم صوتها، لكنها لا تملك "الآذان" التي تستقبله. وتعكس هذه اللحظات الفاصلة بين الخطيب والمنصة شرخًا عميقًا بين حكم يفرض وجوده بقوة السلاح، ومجتمع يرفض وجوده بقوة الموقف الأخلاقي.
وعلى القوى الوطنية والشرعية أن تلتقط هذه الإشارات، فالمطارح التي انطلقت ضد الظلم لم تكن إلا صدى لهذا الضجر الجمعي. وإذا كانت المليشيا قد فشلت في إقناع المواطن بـ"الجنة" التي ترسمها عبر منابر المساجد، فمن المؤكد أنها ستفشل في إقناعه بـ"الدولة" التي تحاول فرضها بقوة الترهيب.
إن الصمت في المساجد ليس صمت الخائف، بل صمت من قرر أن صوته، وإن بقي في قلبه، أقوى من كل زعيق المنابر.