اقتصاد الدم .. كيف أصبحت الجريمة المنظمة "المحرك المالي" لمليشيا الحوثي في اليمن؟
خلف ستار "المجهود الحربي" وشعارات الولاء، تدير المليشيا الحوثية في اليمن ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الظل الدموي". لم يعد الأمر مجرد إتاوات تُفرض على التجار أو جبايات جائرة، بل تحول إلى هيكل اقتصادي متكامل الأركان، يتغذى على الاغتيالات ونهب الأراضي وتهريب الممنوعات.
إن هذا الاقتصاد الخفي هو المحرك الأساسي الذي يمول آلة القتل، حيث تتقاطع فيه مصالح "المشرفين" مع عصابات الجريمة المنظمة في زواج مصلحة آثم، جعل من حياة المواطن اليمني مجرد ورقة نقدية تُستنزف، أو عقبة في طريق مراكمة الثروات التي يُغتال أصحابها لاحقًا لضمان استمرار تدفق المال الحرام إلى خزائن المليشيا.
شهادات من قلب المنظومة المظلمة
"عادل عبدالواحد" (خبير اقتصادي سابق) يقول:
"ما يغفل عنه الكثيرون هو أن الاغتيالات في الحديدة والبيضاء وإب ليست عشوائية، بل هي 'تصفية أصول'. عندما يتم اغتيال شخصية اقتصادية أو مالك أرض كبيرة، فإن الهدف هو نقل هذه الملكية فورًا إلى 'صناديق المليشيا' أو قياداتها النافذة. هذا الاقتصاد الخفي يعتمد على خلق بيئة من الفوضى الأمنية التي تسمح للمليشيا بممارسة نشاطاتها، مثل تهريب المشتقات النفطية والمبيدات المحظورة والمخدرات.
لقد أصبح القتل 'استثمارًا'؛ إذ بمجرد إزاحة المنافس أو المعارض، يتم وضع اليد على ممتلكاته عبر 'أحكام قضائية' هزلية. هذا النظام المالي الموازي يعمل بعيدًا عن الرقابة البنكية، وهو الذي يغذي استمرار الحرب؛ فكلما زادت سيطرتهم على الأرض، زادت ثرواتهم عبر نهب الموارد الطبيعية والمتاجرة بدماء الناس."
"نادية إبراهيم" (موظفة سابقة في مكتب هيئة الأراضي) قالت:
"رأيت بأم عيني كيف يتم التلاعب بسجلات الأراضي. يُستخدم القتل والتهديد بالاغتيال لإجبار الملاك على التنازل عن عقاراتهم الاستراتيجية في المناطق الساحلية أو المدن الحيوية بأسعار بخسة، أو حتى دون مقابل. هؤلاء المشرفون لديهم شبكة واسعة من السماسرة، بعضهم للأسف من أبناء المنطقة، الذين يرصدون الممتلكات ثم يخططون للسيطرة عليها. إذا قاوم المالك، تُلفق له تهمة 'العمالة' وتتم تصفيته.
المال الناتج عن بيع هذه الأراضي المنهوبة لا يدخل خزينة الدولة، بل يتدفق إلى شركات وهمية تابعة لقيادات عليا. إنهم يغسلون أموال الدم عبر العقارات والمشاريع التجارية، مما يجعلهم قوة اقتصادية لا يمكن كسرها إلا بتفكيك هذه المنظومة الإجرامية التي تبتلع البلاد."
"سليمان عبدالجليل" (تاجر سابق في السوق السوداء) قال:
"أقسم أن معظم ما يُباع في الأسواق الحالية، خاصة الوقود والمواد الغذائية الأساسية، هو جزء من هذا الاقتصاد الخفي. المليشيا لا تكتفي بفرض الضرائب؛ إنها تحتكر الاستيراد عبر موانئ معينة، ثم تفرض أسعارًا خيالية.
أما القتلة والمجرمون الذين يرتعون في الشوارع، فهم 'حماة هذا الاقتصاد'. هؤلاء البلاطجة يحصلون على حصصهم من أرباح التهريب والسطو مقابل حماية هذه التجارة غير المشروعة. إذا حاولت الاحتجاج، فأنت تستهدف مصدر رزق 'المشرف' الذي يحميك بالقانون.
لقد أصبح القتل وسيلة لضبط السوق؛ فكل من يخرج عن 'الأسعار المحددة' أو يحاول المنافسة بشرف، يتم إسكاتُه برصاصة في الرأس. الموت هنا هو ثمن التجارة الحرة."
"أحمد ياسر" (ناشط في رصد الانتهاكات الاقتصادية) قال:
"لقد حولوا الجريمة إلى 'صناعة'. الاغتيالات في البيضاء وإب ليست مجرد قضايا سياسية، بل هي جزء من آلية عمل الشركات التابعة للمليشيا. كل عملية اغتيال تليها فورًا إجراءات قانونية مشبوهة للسيطرة على أموال الضحايا وممتلكاتهم.
لقد وثقنا عشرات الحالات التي تمت فيها مصادرة شركات ومحلات تجارية لأشخاص قُتلوا في ظروف غامضة. هذا الاقتصاد الخفي هو الذي يفسر لماذا يتسابق 'المشرفون' لنهب الأراضي؛ إنها وسيلة لغسل الأموال المكتسبة من الحروب والتهريب.
إنهم يخلقون 'طبقة جديدة' من الأثرياء الذين لا يملكون تاريخًا تجاريًا، بل يملكون تاريخًا في القتل والسطو. إننا أمام عملية تحول كبرى لنهب ثروة اليمن الوطنية."
"حسين علي" (مراقب مالي دولي في القطاع غير الرسمي) قال:"نحن نواجه ما يسمى بـ'اقتصاد الحرب الممنهج'. المليشيا لا تهتم ببناء اقتصاد مستدام، بل تركز على استنزاف ما يمكن استنزافه بأسرع وقت.
إن عمليات القتل التي تستهدف أصحاب الكفاءات تهدف إلى ضمان عدم وجود أي منافسة أو حتى قدرة على التحليل والمواجهة. يتم توظيف جزء من أموال الاغتيالات والنهب لتمويل أجهزة استخباراتية محلية تحمي هذه المسارات المالية غير المشروعة.
هذا النظام يغذي نفسه؛ فكلما احتاجوا إلى المزيد من المال، زادوا من وتيرة النهب، وكلما زاد النهب، زادت الحاجة إلى الاغتيالات لإخفاء الأدلة والترهيب. إنها حلقة مفرغة من الإجرام المالي الذي يدمر النسيج الاقتصادي والاجتماعي لليمن لسنوات طويلة قادمة."
ختامًا: مافيا الحرب في ثوب السلطة
إن "الاقتصاد الخفي" الذي تديره المليشيا ليس مجرد تفاصيل مالية، بل هو المحرك الذي يجعل الموت في اليمن "مربحًا". لقد تم تحويل المحافظات، من إب إلى الحديدة وصولًا إلى البيضاء، إلى حقول تجارب لهذا الاقتصاد الدامي.
إن القتل والنهب والابتزاز ليست مجرد جرائم جنائية، بل هي أعمدة بناء "دولة المليشيا" الموازية؛ حيث الدم يشتري الأرض، والأرض تغسل الأموال، والكل يرتجف تحت رحمة مشرف يمتلك بندقية وقرارًا بالموت.
إذا لم يتم كشف وفضح هذه الشبكة المالية العابرة للحدود والمناطق، فإن اليمن سيبقى رهينة لهذه المافيا التي لا تعرف من الاقتصاد سوى لغة السلب، ولا من الدولة سوى أجهزة القمع التي تحمي مصالحها الضيقة.
إن استعادة الدولة تبدأ بضرب هذا "القلب المالي" الذي يغذي جسد الإرهاب بالبقاء والنمو.