17 يوليو 1978م .. بداية انطلاق مرحلة توثيق تاريخ الثورة والجمهورية وتاريخ قادتها ونهاية مرحلتها
قبل البدء، من المهم التأكيد أن هذا المقال لا يتناول حقبة الرئيس علي عبد الله صالح من زاوية سياسية، ولا يهدف إلى الترويج لحقبته، أو الدفاع عنها أو تقييمها، وإنما يقتصر على جانب محدد من تاريخ تلك الحقبة، وهو بداية حركة التوثيق التاريخي التي شهدتها الجمهورية العربية اليمنية خلال عقد الثمانينيات، ثم توسعت في ظل الجمهورية اليمنية خلال عقد التسعينيات، ثم كانت نهايتها في حقبته ذاتها 2008م .
فقد شهدت تلك الحقبة اهتمامًا ملحوظًا بتوثيق تاريخ الثورة والجمهورية، من خلال إصدار مذكرات قادة الثورة، ومن خلال إصدار شهاداتهم التاريخية من واقع الندوات الوثائقية، التي شارك فيها كثير من صناع الأحداث وشهودها، سواء في مركز الدراسات والبحوث اليمني، أو في الكلية الحربية، أو في دائرة التوجيه المعنوي للقوات المسلحة .
والحقيقة الساطعة أن ذلك الاهتمام، وتلك الرعاية، قد أسهمت في إثراء المكتبة اليمنية والعربية بعشرات الكتب والمجلدات والوثائق والشهادات، التي حفظت جانبًا مهمًا من ذاكرة الثورة والجمهورية، وكان من الممكن أن تضيع برحيل أصحابها لولا ما توفر آنذاك من استقرار ورعاية رسمية لجهود التوثيق، وهي رعاية وفرت البيئة المناسبة لجمع الشهادات ونشرها، دون أن تلغي مسؤولية أصحابها عما ورد فيها من روايات ووقائع .
ولذلك أصبحت هذه الإصدارات اليوم، المصدر الأساسي الذي يعتمد عليها المؤرخون والباحثون والمهتمون والرأي العام اليوم في إطلاعهم على تاريخ ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، بما تضمنته من وثائق ومذكرات وشهادات صدرت عن صناع الأحداث أنفسهم .
ومن هذا المنطلق، فإن هذا المقال سيتناول سلامة التوثيق التاريخي خلال مرحلة الثمانينيات والتسعينيات، والالفية حتى ٢٠٠٨م بوصفهما الحقبة، التي وثقت فيها الذاكرة الوطنية، وصينت حتى اليوم، بعيدًا عن أي اصطفاف مع حقبة الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، أو أي قراءة سياسية لتلك المرحلة .
غير أنه قبل الحديث عن سلامة التوثيق، من المهم التوقف عند عدد من الاتهامات التي يرددها بعض الجمهوريين في وقتنا الراهن – مع الأسف – للتشكيك في سلامة توثيق تاريخ الثورة والجمهورية، ومن أبرز تلك الاتهامات:
- أن تاريخ الثورة كتبه الإماميون، وأنهم زوروا كثيرًا من وقائعه .
- أن من كتبه هم أصحاب نزعات عنصرية أو مناطقية أو شللية .
- أن قادة الثورة والجمهورية كتبوا التاريخ بطريقة تعمدت تجاهل دور هذا المناضل أو إنكار دور ذاك .
- أن من كتب التاريخ كانوا متسلقين على الثورة أو سرقوا بطولات غيرهم .
إلى غير ذلك من الاتهامات التي تُطلق دون وثيقة، أو شهادة، أو مرجع، أو دليل تاريخي معتبر .
وأمام مثل هذه الادعاءات يحق لنا أن نتساءل:
هل يعقل أن يصدق أي جمهوري أن من كتب تاريخ الثورة كانوا إماميين؟ وإذا سلمنا بهذا الافتراض جدلًا، فمن هم؟ وما هو التاريخ الذي زوروه؟ وهل يعقل أن يكون جميع قادة ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، الذين كتبوا مذكراتهم أو أدلوا بشهاداتهم، قد اتفقوا جميعًا على تزوير التاريخ؟ وهل يعقل أنهم جميعًا اتفقوا على إغفال دور هذا المناضل أو ذاك؟ وهل يعقل أن تكون عشرات الكتب والمجلدات والوثائق والشهادات، التي صدرت خلال الثمانينيات ومنتصف التسعينيات وفي الالفية وبأقلام متعددة، قد تواطأت جميعها على رواية مزعومة؟ وهل يعقل أن يكون جميع قادة الثورة عنصريين أو مناطقيين أو شلليين؟ ما هذا الهراء؟
إن مثل هذا الطرح لا يصمد أمام الوثائق والشهادات والمراجع، ولا أمام المنهج العلمي، ولا أمام منطق البحث التاريخي .
فالتاريخ لا يُكتب بالرغبات، ولا بالعواطف، ولا بردود الأفعال، وإنما يقوم على الوثائق، والشهادات، والمراجع، والمقارنة بين الروايات، وترجيح ما تؤيده الأدلة .
ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية:
إذا كان هناك من يرى أن له، أو لغيره، دورًا تاريخيًا لم يحظ بما يستحقه من إبراز، فلماذا لم يحضروا الندوات التي عقدت لتوثيق تلك المرحلة؟ ولماذا لم يقدموا شهاداتهم مكتوبة كما فعل غيرهم من المناضلين؟ ولماذا غابوا عن الندوات والحوارات الوثائقية التي احتضنها مركز الدراسات والبحوث اليمني، بمشاركة نخبة من قادة الثورة ورجال الحركة الوطنية والباحثين؟ ولماذا لم يكتبوا شهاداتهم في حياتهم حتى تبقى محفوظة للأجيال بعد رحيلهم؟
إنها أسئلة مشروعة، لا تُطرح للتشكيك في أحد، وإنما للدعوة إلى أن يبقى تاريخ الثورة والجمهورية تاريخًا يقوم على الوثيقة، صونًا لذاكرة الوطن من المبالغة والانتقاص، وابتعادًا عن اتهام قادة الثورة بالنكران والجحود تجاه رفاقهم دون دليل تاريخي .
ومن بين أكثر الاتهامات تداولًا أيضًا، القول إن الرئيس علي عبد الله صالح لعب دورًا في تزييف تاريخ الثورة والجمهورية، أو أنه أملى على المناضلين والمؤرخين ما يوافق رغباته .
وهنا يصبح من حق المؤرخ والباحث أن يطرح السؤال بصيغة علمية واضحة:
ما هي الوقائع أو الأحداث أو الشخصيات التي جرى – بحسب هذا الادعاء – تحريفها أو تزويرها بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟ وهل يعقل أن يتمكن الرئيس علي عبد الله صالح من إقناع شخصيات بحجم المشير عبد الله السلال قائد الثورة، والرئيس عبد الرحمن الإرياني، والقاضي عبد السلام صبرة حلقة الوصل بين الحركة الوطنية وتنظيم الضباط الآحرار، في إعداد كتاب "وثائق أولى عن الثورة اليمنية"، أو بحجم اللواء عبد اللطيف ضيف الله رئيس تنظيم الضباط الآحرار قائد حملة فك الحصار عن صنعاء، في كتاب "خطة القوات المسلحة لفك الحصار عن صنعاء"، أو بحجم الدكتور عبد العزيز المقالح في كتاب "من الأنين إلى الثورة"، أو بحجم قادة الثورة الذين شاركوا بشهاداتهم في كتاب ثورة ٢٦ سبتمبر دراسات وشهادات للتاريخ او غيرهم من قادة الثورة، بأن يغيروا شهاداتهم أو يكتبوا ما يخالف ما عاشوه وشهدوه؟
إن الإجابة عن مثل هذا السؤال ينبغي أن تُترك للباحثين والرأي العام، ولكن بشرط أساسي، وهو أن تكون قائمة على الوثائق والمراجع والشهادات الموثقة، لا على الاتهامات العامة أو الإنشاء .
ثم يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية:
هل يستطيع أحد أن يثبت أن الرئيس علي عبد الله صالح، أو اللواء علي محسن الأحمر، أو اللواء محمد عبد الله صالح، أو اللواء علي صالح الأحمر، وهم ممن تولوا مسؤوليات قيادية في الدولة بعد الثورة، أن أسماؤهم قد أدخلت في تاريخ الثورة أو الجمهورية، رغم أنهم جميعًا عاشوا أحداث ما بعد الثورة، وحرب السبعين يومًا، وأحداث أغسطس 1968م، لسبب واحد فقط وهو انهم جميعا، لم يكونوا ضمن قيادات الصف الأول أو الثاني التي صنعت أحداث الثورة؟ ومع ذلك لم يسعوا إلى محاولة ادخال اسمائهم، او بلغة اكثر حسما، لم يتمكن رغم قوة سلطتهم ، من ادخال أسمائهم كأجابة واضحة لمن يطرح أي سؤال حول هذا الامر .
نعم إن المتتبع لما نُشر من مذكرات ووثائق وشهادات خلال تلك المرحلة لا يجد ما يؤيد هذا الادعاء، فلم تُضف أسماؤهم إلى صفحات التاريخ بقوة السلطة أو النفوذ، وإنما بقيت الروايات، في مجملها، مرتبطة بمن شاركوا في صناعة الأحداث ودونوا شهاداتهم، وترك المجال لغيرهم ليسجلوا ما عرفوه وفق مسؤولياتهم وأدوارهم التاريخية .
وإذا عدنا إلى عنوان هذا المقال، فإن بداية مرحلة التوثيق التاريخي يمكن تتبعها من خلال سلسلة من الأعمال الوثائقية التي شكلت الأساس الحقيقي لذاكرة الثورة والجمهورية .
ففي عام 1979م صدر كتاب "أسرار ووثائق الثورة"، ثم صدر عام 1981م الطبعة الاولى من كتاب "شهادات ثورة 26 سبتمبر"، وتلاه صدور جزأي "حصار صنعاء"، ثم كتاب "وثائق أولى عن الثورة اليمنية"، الذي أُعد بعد عودة الرئيسين عبد الله السلال وعبد الرحمن الإرياني، وتولى القاضي عبد السلام صبرة جمع مادته وتوثيق شهاداتهما عن مراحل العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات وصولًا إلى قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر .
وفي عام 1987م صدرت الطبعة الثانية من كتاب "ثورة 26 سبتمبر"، دراسات وشهادات للتاريخ - "شهادات" - اخرى غير الطبعة الاولى، وبين هذه الإصدارات توالت مذكرات عدد من قادة الثورة والمناضلين، حتى أصبحت المكتبة اليمنية تزخر بعشرات المؤلفات التي وثقت تلك المرحلة من مصادرها المباشرة .
أما خلال عقد التسعينيات، والالفية حتى 2008م، فقد شهدت حركة التوثيق دفعة جديدة، تمثلت في إقامة الندوات الوثائقية حول تاريخ الثورة وحصار السبعين يومًا، والتي صدر عنها خمسة مجلدات، صدرت تحت عنوان "وثائق ندوة الثورة اليمنية"، ثم تتابعت بعد ذلك مذكرات وشهادات العديد من رجال الثورة والجمهورية، وهي المؤلفات التي سبق أن أوردنا عناوينها في كتابنا "المعجزة الأولى... ليلة الثورة ويوم إعلان الجمهورية" .
وهكذا يتضح أن حركة التوثيق لم تكن عملًا فرديًا ولا رواية كتبها شخص واحد، وإنما مشروعًا وطنيًا شارك فيه قادة الثورة، ورجال الحركة الوطنية، والباحثون، ومركز الدراسات والبحوث على مدى سنوات طويلة، وهو ما يجعل أي حكم على هذا التراث التاريخي لا يستقيم إلا بالعودة إلى الوثيقة، والمقارنة بين المصادر، والاحتكام إلى المنهج العلمي .
في ختام هذا الموضوع، يمكن القول إن حقبة الرئيس علي عبد الله صالح مثلت، من الناحية التاريخية، المرحلة الأوسع والاوحد، في توثيق تاريخ الثورة اليمنية وتاريخ مسيرتها الجمهورية، منذ إرهاصاتها الأولى وحتى نهاية مرحلة الرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني .
وخلال تلك الحقبة صدرت عشرات الكتب والمذكرات والوثائق والشهادات، وعُقدت الندوات الوثائقية التي شارك فيها قادة الثورة ورجال الحركة الوطنية والباحثون، فأصبحت تلك الجهود تمثل اليوم المصدر والوعاء الاساسي التي حفظت الذاكرة الوطنية من الضياع .
واليوم، وبعد مرور سنوات على تلك الحقبة، رحل إلى رحمة الله معظم قادة الثورة والجمهورية الذين شاركوا في عملية التوثيق، ولم يبق على قيد الحياة سوى عدد قليل جدًا منهم، لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، ممن شاركوا أيضًا في حفظ تلك الذاكرة الوطنية، فمنهم من أدلى بشهاداته عبر وسائل الإعلام، ومنهم من دوّن مذكراته وأوصى بنشرها بعد رحيله، نسأل الله أن يطيل في أعمار الأحياء منهم، وأن يمتعهم بموفور الصحة والعافية .
ومع ذلك، فما زالت المكتبة اليمنية والعربية تنتظر صدور عدد من المذكرات المهمة التي لم تُنشر حتى اليوم، ومن أبرزها مذكرات المشير عبد الله السلال قائد الثورة، ومذكرات اللواء عبد اللطيف ضيف الله رئيس تنظيم الضباط الأحرار، ومذكرات القاضي عبد السلام صبرة، حلقة الوصل بين الحركة الوطنية وتنظيم الضباط الأحرار، إلى جانب مذكرات أخرى لمناضلي الثورة الذين فجروا الثورة، لا تزال قيد الإخراج .
فحديثنا في هذا المقال بكل تأكيد، لا يعني أن حقبة الرئيس علي عبد الله صالح كانت حقبة شاملة إصدر خلالها كل ما هو متعلق بتاريخ الثورة أو ان الحقبة قد شملت كامل الإنصاف لجميع شخصيات الثورة واحداثها، وإنما يعني، أن حقبة الرئيس صالح، قد شهدت المشروع الأوسع لتوثيق تاريخ الثورة والجمهورية، وأن القادة ما يزال لديهم حين تنشر بقية مذكراتهم بقية حديث للتاريخ إنصافا .
كما اقول مرة أخرى أن ما يُردد اليوم من اتهامات عامة بأن تاريخ الثورة قد زُوِّر أو كُتب بأقلام الإماميين أو العنصريين أو الشلليين، أو أن قادة الثورة تعمدوا إنكار أدوار مناضلين اخرين، وما قيل حول تلاعب الرئيس صالح، بالتاريخ، ما هو إلا ادعاء لا يستقيم مع حجم الوثائق والمذكرات والشهادات التي شارك في إعدادها ونشرها عشرات من صناع الأحداث أنفسهم، ولا يمكن قبوله أو رفضه إلا بدليل تاريخي موثق .
ولهذا، فإن الواجب اليوم لا يتمثل في إطلاق الأحكام العامة أو التشكيك المجرد، وإنما الواجب يتمثل في العودة إلى الوثائق، وقراءة المذكرات، وتشجيع نشر ما تبقى من المذكرات والشهادات غير المنشورة، حتى تظل كتابة تاريخ الثورة والجمهورية عملية وثائقية مفتوحة، أساسها الوثيقة، وغايتها صون الذاكرة الوطنية، بعيدًا عن المبالغة، وبعيدًا عن الانتقاص، وبعيدًا عن توظيف التاريخ في صراعات الحاضر .