كيف حوّلت الميليشيا مدرّجات البن التاريخية إلى حقول للجبايات والمقابر في جبال صعفان؟

كيف حوّلت الميليشيا مدرّجات البن التاريخية إلى حقول للجبايات والمقابر في جبال صعفان؟
مشاركة الخبر:

على سفوح الجبال الشاهقة وقمم المدرّجات الحجرية المعجزة في مديرية صعفان بمحافظة صنعاء، حيث خطّ الأجداد بدمائهم وعرقهم أروع لوحات البن اليمني الأصيل، تدور فصول مأساة صامتة.
هنا، لا تكتفي الطبيعة بقسوتها وتقلبات مناخها العنيفة، ولا يقف التهميش التاريخي وحده عائقًا أمام المزارع المنهك، بل تبرز الطامة الكبرى المتمثلة في الميليشيا الحوثية المسيطرة على مقاليد الأمور؛ سلطة لا ترى في هذه المروج الخضراء والذاكرة الحضارية سوى غنيمة حرب ومستودع بشري ومالي لخدمة مشروعها العبثي.
وسط هذا الخراب المحدق، تقف الميليشيا بموقف متواطئ ومستهتر، محوّلةً عراقة صعفان وزَهْبها الأسمر إلى هدف دائم لثلاثية الجباية والخراب والتجويع:
استنزاف دماء الشجر وثمار العرق
حين يشرع مزارعو صعفان في جني محصول البن بعد أشهر من العمل المضني والجهد اليدوي الدؤوب، بمعزل عن أي تقنيات حديثة أو دعم رسمي، تفاجئهم الميليشيا بجيوش من "المشرفين" والمحصّلين. لا تقدم الميليشيا أي إرشاد زراعي، ولا تحمي المدرّجات من عواصف المناخ، ولا تدعم تكاليف الإنتاج الباهظة، بل تكتفي بالظهور وقت الحصاد.
تفرض الضرائب والجبايات القسرية تحت مسميات طائفية ومجهود حربي متكرر، وتلاحق المزارعين في أسواقهم ومزارعهم، غير مبالية بالخسائر الفادحة التي يتكبدونها نتيجة غلاء العمالة وانصراف الشباب.
وتتعامل مع ثروة البن الوطنية كبقرة حلوب يجب استنزاف آخر قطرة من عرق أهلها لتمويل خزائن المشرفين وجبهات العبث.
تجريف المدرّجات من سواعد أبنائها
لم تكتفِ الميليشيا بضرب الاقتصاد الزراعي في عمقه، بل امتدت يدها لتفرغ الأرض من أغلى ما تملك: شبابها. فعبر شبكة من المناديب والتعبئة الطائفية الممنهجة، تستهدف الميليشيا أبناء صعفان لزجّهم في محارق الموت والجبهات البعيدة.
أدى هذا الاستنزاف البشري المروع إلى هجرة الشباب وانصرافهم قسرًا أو طوعًا، لتبقى المدرّجات المعجزة وحيدة بلا سواعد تحميها من الانهيار أو تسقيها عند الشدة.
إحلال البارود مكان البن
تحولت طاقات جيل كامل من حارسي الحضارة الزراعية إلى وقود في معارك الميليشيا العبثية، مما جعل أشجار البن العتيقة تشهد الموت بدلًا من قطاف الثمار.
إبادة الهوية الزراعية لصعفان
إن ما تمارسه الميليشيا في صعفان يتجاوز بكثير مفهوم الإهمال الإداري؛ إنه نهج مدروس لتجويع المجتمع وتركيعه. فعندما تغيب أبسط الخدمات الأساسية، وتتجاهل القرارات الفوقية، كقرارات حظر الاستيراد العمياء، إدراج البن اليمني لإنقاذه، وتُترك المدرّجات تواجه التغيرات المناخية وحدها، يتأكد للجميع أن الهدف هو:
تكسير عظام الهوية الزراعية:
ضرب الاستقلال الاقتصادي للمزارع اليمني وكسر كبرياء قبائل طوق صنعاء عبر إفقارهم حتى يصبحوا رهائن تحت رحمة "السلة الغذائية" والفتات الذي توزعه الجماعة.
إحلال ثقافة الخراب:
طمس معالم الحياة والإنتاج ليحل محلها اقتصاد الجباية وولاءات الموت، وكأن المطلوب هو تحويل اليمن الأخضر إلى رماد ومقابر جماعية.
صرخة من على حافة الهاوية
إن مدرّجات صعفان الخضراء واللوحات الإبداعية التي طرزت جبال صنعاء لقرون طويلة تقف اليوم على حافة الهاوية تحت سياط الميليشيا وقبضتها الحديدية. وإذا استمر هذا النهج القائم على الجباية والتجريف والخراب، فلن تقتصر الخسارة على ضياع محصول البن فحسب، بل ستندثر هوية بأكملها ويزول إرث بشري لم يُبنَ إلا بالصبر والكد، ليبقى السؤال المعلّق: هل من منقذ يزيح هذه الغمامة السوداء قبل أن تتحول جنان صعفان إلى تلال صامتة من الجفاف والخراب؟