الحوثي يضرب الجميع.. فهل أشعل المعركة الشاملة؟
لم يعد الحوثي يواجه جبهة واحدة، ولم تعد المواجهة محصورة في منطقة أو طرف بعينه. فكلما ظن البعض أن هناك جبهة بعيدة عن النار، جاءت الأحداث لتقول إن مشروع الحوثي لا يعترف بالحدود التي تفصل بين جبهة وأخرى، ولا يميز في خصومته بين طرف وآخر.
يضرب هنا، ويستهدف هناك، ويضغط على جبهة، ويفتح اشتباكًا في أخرى، وكأن الرسالة التي يريد فرضها على اليمنيين هي أن الجميع يجب أن يعيش تحت تهديد السلاح.
لكن الحوثي قد يكون ارتكب خطأً استراتيجيًا كبيرًا. فمن يضرب الجميع قد يوحّد الجميع.
نعم، لقد ظل الانقسام بين القوى المناهضة للحوثي واحدًا من أكبر نقاط القوة التي استفاد منها خلال سنوات الحرب. اختلاف الأولويات، وتعدد الحسابات، وتباين المواقف السياسية، كل ذلك منح الحوثي مساحة للمناورة، وجعل بعض الجبهات تنظر إلى المعركة باعتبارها معركة تخص غيرها.
أما اليوم، فإن استمرار الاستهداف واتساع دائرة المواجهة يضع الجميع أمام حقيقة واحدة:
لا توجد جبهة بعيدة عن الخطر، ولا طرف يستطيع أن يضمن أن النار لن تصل إليه.
ومن هنا يجب أن تبدأ المرحلة الجديدة.
من جبهات متفرقة إلى جبهة واحدة، والمطلوب اليوم ليس أن تتخلى القوى اليمنية عن اختلافاتها السياسية، ولا أن تتطابق في مشاريعها ورؤاها.
المطلوب أبسط وأكبر من ذلك:
أن تتفق على أن الحوثي لا يمكن أن يبقى قوة مسلحة فوق الدولة.
أن تتفق على أن اليمن لا يمكن أن تحكمه المليشيا.
أن تتفق على أن السلاح يجب أن يعود إلى المؤسسات الرسمية.
وأن تتفق على أن الخلافات السياسية مكانها طاولة الحوار، لا خطوط النار.
هذا هو الحد الأدنى الذي يمكن أن يجمع الجميع. فالجبهات التي تقاتل منفردة يمكن استنزافها، أما الجبهات التي تنسق جهودها وتوحد قرارها وتمنع التناقضات الداخلية، فإنها تصبح أكثر قدرة على حماية نفسها وعلى فرض معادلة سياسية جديدة.
الحوثي لا يريد يمنًا متماسكًا
والمشروع الحوثي يستفيد من الانقسام أكثر مما يستفيد من القوة. وكل خلاف بين خصومه فرصة، وكل صراع داخلي مكسب، وكل خلاف سياسي يتحول إلى مساحة للمناورة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله القوى المناهضة له هو أن تمنحه فرصة جديدة للعب على التناقضات بينها. ولا ينبغي أن تكون هناك جبهة ترى نفسها منفصلة عن الأخرى.
ما يحدث في الضالع يعني تعز.
وما يحدث في تعز يعني مأرب.
وما يحدث في الساحل الغربي يعني كل اليمن.
وما يستهدف قوة مناهضة للحوثي يجب ألا يُنظر إليه باعتباره شأنًا خاصًا بها؛ لأن الخطر واحد، وإن اختلفت الجبهات.
اليوم وقت تجاوز الحسابات
هذه ليست دعوة لإلغاء التعدد السياسي.
إنها دعوة إلى ترتيب الأولويات.
يمكن أن تختلف القوى اليمنية في شكل الدولة، وفي البرامج السياسية، وفي تفاصيل المستقبل، لكن لا يجوز أن تختلف على أصل واحد: اليمن لا يحكمه السلاح، والدولة لا تُبنى بالمليشيات.
وإذا كانت هناك خلافات بين القوى المناهضة للحوثي، فلتُرحّل إلى طاولة السياسة.
أما الجبهة الوطنية في مواجهة الحوثي، فيجب أن تكون أكثر تماسكًا وتنظيمًا وتنسيقًا.
فالمرحلة لا تحتمل أن تقاتل كل قوة بمفردها، ولا أن تنتظر كل جبهة حتى يصل الخطر إلى أبوابها.
والحوثي أمام فرصة أخيرة
والرسالة إلى الحوثي واضحة:
لا تراهنوا على انقسام اليمنيين إلى الأبد. ولا تراهنوا على أن خصومكم سيبقون متفرقين.
لا تراهنوا على أن كل جبهة ستظل منشغلة بنفسها.
راجعوا حساباتكم قبل أن تصل الأمور إلى نقطة لا يمكن العودة منها.
إذا أردتم السلام، فطريقه واضح.
اتركوا السلاح.
عودوا إلى السياسة.
اقبلوا بالدولة.
أما الاستمرار في ضرب الجبهات وتهديد المناطق واستنزاف اليمنيين، فلن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: دفع القوى المناهضة لكم نحو مزيد من التقارب والتنسيق.
وإلى القوى المناهضة للحوثي
هذه هي اللحظة التي يجب أن تسقط فيها الحسابات الصغيرة.
لا تجعلوا خلافات الأمس تمنعكم من حماية اليمن اليوم.
ولا تنتظروا أن يُستهدف طرفكم حتى تتحركوا. ولا تجعلوا كل جبهة تقاتل وحدها.
التنسيق السياسي والعسكري، وتبادل المعلومات، وتوحيد الخطاب، وتجنب الصراعات الجانبية، ودعم المؤسسات الرسمية، كلها عوامل ضرورية لبناء جبهة أكثر تماسكًا.
والمقصود بجبهة واحدة ليس ذوبان الجميع في كيان واحد، بل أن تكون هناك بوصلة واحدة عندما يتعلق الأمر بمواجهة مشروع الحوثي واستعادة الدولة.
صحيح أن الحوثي يضرب الجميع.. فهل جمع الجميع ضده؟
ربما أراد الحوثي من توسيع الاستهداف أن يبعث برسالة قوة.
لكن الرسالة قد تعود إليه بصورة مختلفة. فكل ضربة قد تزيد من غضب خصومه.
وكل جبهة جديدة قد تقرّب المسافات بين الجبهات الأخرى.
وكل محاولة لتخويف طرف قد تدفع طرفًا آخر إلى الوقوف معه.
وهكذا قد يتحول اتساع دائرة النار من أداة لتفريق خصوم الحوثي إلى سبب في توحيدهم.
ولهذا فإن المرحلة القادمة يجب ألا تكون مرحلة انتظار.
إنها مرحلة وعي.
مرحلة تنسيق.
مرحلة تجاوز للخلافات.
مرحلة وضع اليمن فوق الجميع.
الحوثي يريد جبهات متفرقة.. فلنجعلها جبهة واحدة.
يراهن على الانقسام.. فلنرد عليه بالوحدة.
يضرب كل طرف على حدة.. فلنجعل الرد سياسيًا وشعبيًا ومؤسسيًا متماسكًا.
فالقضية اليوم ليست من ينتصر على الآخر داخل المعسكر المناهض للحوثي.
القضية هي: هل يستطيع اليمنيون أن يتفقوا على أن الدولة هي الحكم، وأن السلاح لا يصنع شرعية، وأن مستقبل اليمن لا يُكتب في غرف المليشيات ولا في عواصم الخارج؟
إذا اتفقوا على ذلك، فقد بدأ طريق الخلاص. أما إذا بقيت الجبهات متفرقة، والخلافات تتقدم على مصلحة الوطن، فسيبقى الحوثي مستفيدًا من الانقسام.