تصعيد حوثي بأوامر إيرانية يجر اليمن إلى أتون صراع إقليمي ويهدد بإحراق فرص السلام
في تصعيد يكشف مجدداً أن مليشيا الحوثي الإرهابية لا تتعامل مع اليمن باعتباره قضية وطنية مستقلة، كثفت الجماعة خلال الفترة الأخيرة هجماتها على مواقع القوات الحكومية وخطوط التماس، بالتزامن مع استمرار تهديداتها في البحر الأحمر، في خطوة تبدو أبعد من كونها تحركاً عسكرياً مرتبطاً بتطورات الجبهة اليمنية، وتأتي في توقيت إقليمي بالغ الحساسية تتزايد فيه الضغوط على إيران وتتصاعد المواجهة حول ملفات الأمن والطاقة والملاحة والنفوذ الإقليمي.
ويضع هذا التزامن قرار الحوثيين أمام تساؤلات سياسية وعسكرية واسعة، خصوصاً أن الجبهات اليمنية لم تكن تشهد قبل موجة التصعيد الحالية تحركاً عسكرياً من جانب القوات الحكومية يمكن اعتباره مبرراً لفتح مواجهة جديدة بهذا المستوى. وعلى مدى السنوات الماضية، حافظت الحكومة اليمنية على موقف داعم للتهدئة، وتعاملت مع الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة منذ عام 2022 باعتبارها فرصة لتجنب استئناف الحرب، رغم الخروقات الحوثية المتكررة.
كما أبقت الحكومة على المسارات المرتبطة بجهود المبعوث الأممي وملفات الأسرى والمختطفين، أملاً في تحويل الهدوء النسبي إلى مسار سياسي يمكن أن يقود في نهاية المطاف إلى تسوية تنهي الحرب وتخفف معاناة ملايين اليمنيين.
غير أن مليشيا الحوثي اختارت طريقاً آخر. فبدلاً من استثمار التهدئة في بناء الثقة والدفع نحو حل سياسي، عادت إلى التصعيد العسكري، وكأن الهدوء بالنسبة إليها لم يكن سوى فترة لإعادة ترتيب القدرات والاستعداد لجولة جديدة من المواجهة.
وتزداد دلالة هذه الخطوة عندما توضع في سياقها الإقليمي. فإيران تواجه ضغوطاً متزايدة على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وفي مثل هذه الظروف تصبح الجماعات المسلحة الحليفة لها أدوات مهمة لتوسيع نطاق الضغط على خصومها، وفتح ساحات جديدة للمواجهة من دون أن تضطر طهران إلى تحمل كلفة الاشتباك المباشر في كل جبهة.
وتملك مليشيا الحوثي، في هذا السياق، قيمة استراتيجية خاصة بالنسبة إلى إيران، ليس فقط بسبب موقعها داخل اليمن وقدرتها على استهداف القوات الحكومية، وإنما أيضاً بسبب موقعها على البحر الأحمر وامتلاكها وسائل عسكرية تمكنها من تهديد الملاحة والمصالح المرتبطة بالدول التي تقف في مواجهة طهران.
وهكذا تتحول الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ضغط إيرانية، فيما يتحول الحوثيون إلى ذراع قادرة على إرباك خصوم طهران من مسافة بعيدة.
ولا تحتاج إيران في هذه الحالة إلى الدخول في مواجهة مباشرة في كل مرة؛ إذ يكفي أن تبقى الجبهات المرتبطة بحلفائها مفتوحة وقابلة للاشتعال حتى تظل احتمالات توسع الصراع قائمة، وهو ما يفرض على الولايات المتحدة وحلفائها التعامل مع أكثر من ساحة في الوقت نفسه، ويجعل أي قرار بالضغط على طهران محفوفاً باحتمالات انتقال المواجهة إلى العراق واليمن والبحر الأحمر ومناطق أخرى.
ومن هنا تبرز أهمية توقيت التصعيد الحوثي. فالمليشيا لم تختر لحظة استقرار إقليمي حتى تبدأ تحركها، وإنما صعدت في وقت تتشابك فيه ملفات المواجهة الإقليمية، وهو ما يعزز المخاوف من أن قرارها العسكري لا يخضع بالدرجة الأولى لاحتياجات اليمن، وإنما يتأثر بحسابات تتجاوز الحدود اليمنية.
ويأتي البحر الأحمر في قلب هذه المعادلة، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وأحد أبرز الأوراق التي تستطيع مليشيا الحوثي استخدامها لإيصال رسائل عسكرية تتجاوز الداخل اليمني.
فأي تهديد للملاحة في البحر الأحمر لا ينعكس على طرف يمني واحد، بل يمتد تأثيره إلى حركة التجارة العالمية وتكاليف النقل والتأمين وأمن الطاقة والمصالح الاقتصادية للدول المرتبطة بهذا الممر.
ومع تصاعد التوتر حول مضيق هرمز وحركة الطاقة في الخليج، تتضاعف أهمية البحر الأحمر في الحسابات الإقليمية والدولية، وهو ما يمنح القدرة الحوثية على تهديد الملاحة قيمة أكبر في أي مواجهة إيرانية مع خصومها.
وبذلك يمكن لطهران، عبر حليفها الحوثي، أن تضغط في أكثر من اتجاه؛ تهديد الملاحة من جهة، وإبقاء الجبهة اليمنية مشتعلة من جهة أخرى، وإجبار خصومها على توزيع قواتهم ومواردهم واهتمامهم بين ملفات متعددة بدلاً من تركيزها على الضغط على إيران وحدها.
لكن هذه الحسابات الإقليمية تأتي على حساب اليمن.
ففي الداخل، تعني الهجمات الحوثية على مواقع القوات الحكومية في مأرب وحضرموت وغيرها إعادة تنشيط جبهات كان من المفترض أن تتجه نحو التهدئة، كما أن توسيع العمليات على خطوط التماس يهدد بإعادة إنتاج دورة جديدة من القتل والنزوح والدمار، في بلد أنهكته سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي.
ولا يملك اليمنيون في هذه المعادلة سوى تحمل النتائج.
إيران تستطيع أن تفاوض على مصالحها من خارج الأراضي اليمنية، بينما يدفع اليمنيون ثمن المواجهة داخل مدنهم وقراهم ومعسكراتهم. وكل صاروخ يطلق على موقع حكومي يفتح باباً جديداً للخسائر البشرية، وكل هجوم يعيد إشعال جبهة متوقفة يهدد بعودة السكان إلى دائرة النزوح، وكل تهديد للملاحة يضيف ضغوطاً اقتصادية جديدة على بلد يعاني أصلاً من أزمة عميقة.
وهذه هي المفارقة الأكثر قسوة في السلوك الحوثي: الجماعة ترفع شعار الدفاع عن اليمن، لكنها تستخدم أرضه وموقعه الجغرافي ومقدراته العسكرية لخدمة صراع لا تتحدد أهدافه داخل اليمن.
فبدلاً من حماية المصالح الوطنية، أصبحت المليشيا تستخدم اليمن كورقة تفاوض إقليمية، وتتعامل مع أمن البلاد وموانئها وممراتها البحرية وجبهاتها العسكرية باعتبارها أدوات قابلة للتوظيف في صراع أوسع.
كما أن التصعيد يوجه ضربة مباشرة إلى فرص التسوية السياسية. فعملية السلام لا يمكن أن تنجح في ظل وجود طرف يرى القوة العسكرية وسيلة لفرض الشروط وتعديل موازين التفاوض، ولا يمكن بناء الثقة بينما تستمر الهجمات على الجبهات وتبقى التهديدات البحرية قائمة.
وتزداد المشكلة تعقيداً مع استمرار ملف الأسرى والمختطفين، وتعثر خطوات بناء الثقة، وغياب ترتيبات نهائية تضمن وقفاً شاملاً ومستداماً لإطلاق النار.
وكان من الممكن أن تتحول فترة الهدوء النسبي إلى مرحلة لإعادة بناء الثقة بين الأطراف اليمنية، وتحريك الملفات الإنسانية، وتهيئة الظروف أمام تسوية سياسية. إلا أن المليشيا اختارت، مرة أخرى، تقديم الخيار العسكري على المسار السياسي، بما يهدد بإعادة البلاد إلى المربع الذي حاول اليمنيون والمجتمع الدولي الابتعاد عنه منذ سنوات.
ولا يبدو أن الحوثيين يواجهون عواقب قرارهم بالطريقة التي يواجهها اليمنيون؛ فالمليشيا تستطيع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة ثم إعادة التموضع، بينما يبقى المدنيون والقوات الحكومية والمجتمعات المحلية في مواجهة الآثار المباشرة.
والأخطر من ذلك أن استمرار هذا النهج يكرس واقعاً تصبح فيه الحرب اليمنية مرتبطة بصورة متزايدة بالصراعات الإقليمية، بحيث لا يعود وقفها مرهوناً فقط بالتوافق بين الأطراف اليمنية، وإنما يتأثر أيضاً بحسابات القوى التي تستخدم الساحة اليمنية لتحقيق أهدافها.
ومن هذه الزاوية، فإن التصعيد الحوثي لا يمثل مجرد تهديد عسكري جديد، بل يمثل اعتداءً على فرصة اليمن في استعادة قراره الوطني.
فكلما ارتبط قرار الحرب والسلام بحسابات خارجية، تراجعت قدرة اليمنيين على تحديد مستقبلهم، وكلما تحولت الجبهات اليمنية إلى أوراق ضغط في صراعات إقليمية، أصبحت التسوية السياسية أكثر صعوبة، وأصبح السلام أكثر هشاشة.
إن أخطر ما تكشفه التطورات الحالية هو أن مليشيا الحوثي ما زالت مستعدة لدفع اليمن نحو المواجهة كلما وجدت في ذلك منفعة لحلفائها الإقليميين، حتى لو كان الثمن مزيداً من الدماء والدمار والانهيار الاقتصادي.
وبينما تبحث إيران عن أوراق تفاوضية لرفع كلفة الضغوط عليها، يدفع اليمنيون الثمن من أمنهم واقتصادهم ومستقبلهم.
وهنا تتضح المفارقة كاملة: طهران تفاوض من موقع بعيد عن ساحات المعارك، بينما الحوثيون يخوضون المواجهة من الأراضي اليمنية، والشعب اليمني يتحمل نتائجها.
ولهذا فإن التصعيد الحوثي الحالي لا ينبغي التعامل معه باعتباره حادثاً عسكرياً عابراً أو مجرد جولة أخرى من جولات الصراع الداخلي، بل باعتباره مؤشراً خطيراً على استمرار استخدام اليمن كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وإذا استمرت المليشيا في هذا النهج، فإنها لا تهدد القوات الحكومية وحدها، ولا تقوض الهدنة والمسار السياسي فقط، بل تهدد بتحويل اليمن مجدداً إلى بؤرة مفتوحة لصراع إقليمي، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية والاستقرار الإقليمي.
وفي النهاية، فإن اليمن الذي دفع طوال سنوات الحرب ثمناً باهظاً للصراع الحوثي لا يحتاج إلى مزيد من الصواريخ ولا إلى جبهات جديدة ولا إلى مغامرات عسكرية تخدم أجندات خارجية.
يحتاج اليمن إلى السلام، وإلى دولة تحتكر قرار الحرب والسلم، وإلى مسار سياسي يعيد لليمنيين حقهم في تقرير مستقبلهم بعيداً عن حسابات طهران وأذرعها المسلحة.
أما مليشيا الحوثي، فكلما اختارت التصعيد لحسابات خارجية، فإنها تثبت مرة أخرى أن شعارها المعلن عن حماية اليمن لا يتطابق مع أفعالها، وأن اليمنيين هم من يدفعون وحدهم فاتورة حرب تُدار أهدافها في مكان، وتُدفع كلفتها في مكان آخر.