عندما يتحول التعليم إلى سجن وتحت لواء القمع .. مدرسة أروى بصنعاء نموذجاً لتعسفات مليشيا الحوثيين
في العاصمة صنعاء، حيث يرزح التعليم تحت سطوة قبضة أمنية وعقائدية متشددة، لم تعد المدارس مناراً للعلم وبناء العقول، بل تحولت إلى معتقلات مصغرة تمارس فيها أبشع أساليب التنكيل النفسي والجسدي بحق أطفال في مقتبل العمر. وما جرى ويجري في مدرسة أروى للبنات على يد المديرة سمر مظفر ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من تجريف العملية التعليمية وفرض أجندات متطرفة تنافي أبسط التعاليم الإسلامية والإنسانية، لتقدم نموذجاً فجاً لما آلت إليه الأوضاع تحت سيطرة مليشيا الحوثي الكهنوتية.
تعذيب علني تحت ذريعة "الدين"
شهدت مدرسة أروى للبنات فصولاً من التعذيب النفسي والبدني، ارتكبتها إدارة المدرسة الموالية للمليشيا، بحق طالبات بعمر الورد. تركزت الجريمة حول معاقبة الطالبات بالوقوف لساعات طويلة تحت لهيب الشمس الحارقة، متجردات من أي وسيلة وقاية، حيث مُنعن تماماً من الاستظلال بدفاترهن المدرسية أو ارتداء "الكوافي" والقبعات الواقية.
ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، بل أُجبرت الطالبات على ارتداء "النقاب" طيلة ساعات الدوام الدراسي، رغم خلو المدرسة تماماً من أي وجود رجالي باستثناء حارس عجوز مسن، في ممارسة تعسفية لا علاقة لها بالدين، بل هي فرض لهيمنة سلوكية مريضة. والمفارقة الصادمة أن هذه العقوبات القاسية فُرضت أصلاً بحجة أن الطالبات "لا يرتدين نقاباً إسلامياً" بمقاييس الإدارة المفروضة قسراً.
صرخة ألم من داخل جحيم المدرسة
"الوضع هنا لا يُطاق.. لقد تحولت المدرسة إلى ثكنة عسكرية، ومديرتنا تتعامل معنا وكأننا في سجن حربي لا صرح تعليمي."
هكذا بدأت إحدى المعلمات (فضلت عدم ذكر اسمها حفاظاً على سلامتها) حديثها لنا بقلب يقطر ألماً وهي تروي تفاصيل ما يحدث، مضيفة بمرارة:
"نرى الطالبات يبكين بدموع حارقة وهن ملقيات تحت حرارة الشمس القارسة لمجرد خطأ بسيط أو لأن خمار إحداهن لم يعجب المزاج المتطرف للإدارة. يُمنعن حتى من رفع دفاترهم لحجب الشمس عن وجوههن الغضة، وكأن المطلوب هو كسر روحهن تماماً."
وتتابع بشهادة هزت الضمير: "الأمر تخطى كل حدود العقل؛ تُجبر الطالبات على إحكام النقاب طوال اليوم رغم أنه لا يوجد في المدرسة رجل واحد سوى الحارس المسن العجوز! إنه هوس بالتحكم والقمع الممنهج تحت يافطة الدين، والدين بريء كل البراءة مما تفعله سمر مظفر وأمثالها ممن جردوا الإدارة المدرسية من كل معاني الإنسانية والرحمة."
انتقام رخيص: فصل الطالبات بسبب "كاميرا الحقيقة"
لم يكتفِ جحيم المدرسة عند هذا الحد؛ فبدلاً من الاستجابة لصوت العقل والمنطق عندما اعترض أحد أولياء الأمور على هذه الممارسات الوحشية ورفض معاقبة الطالبات بهذه الطريقة المهينة، قوبل احتجاجه بتجاهل تام واستخفاف متعمد.
وحين وثّق ولي الأمر هذا الانتهاك بصورة تكشف حجم التعسف لنقل الحقيقة، ردت المديرة سمر مظفر بعقلية انتقامية صلعاء، فأقدمت على فصل خمس طالبات كعقوبة جماعية وانتقام سافر من أولياء أمورهن، في سقطة إدارية وأخلاقية تعكس مدى التعنت وغياب الضمير الإنساني.
أين الرحمة؟ وأين الدين من هذه الممارسات؟
إن ما تقوم به هذه المديرة، ومن خلفها آلة التحريض التابعة لمليشيا الحوثي، يثير تساؤلات مؤلمة ومشروعة:
أين ذهبت تعاليم الدين الإسلامي الحنيف القائمة على اليسر، وحسن التعامل، والرحمة بالصغار؟
هل تناست هذه الإدارات أن "الظلم ظلمات يوم القيامة" وأن الإساءة للنشء وتخويفهم بهذه الطريقة تجريف متعمد لهوية المجتمع اليمني؟
أجساد طرية تحت لهيب الشمس الحارقة وعقوبات جماعية بسبب خمار".. مدرسة أروى للبنات بصنعاء تكشف الوجه القبيح لمليشيا الحوثي
إن هذه الممارسات لا تعبر عن دين ولا عن أخلاق، بل هي ترجمة حرفية لفكر استئصالي تسلطي يريد أن يخضع المجتمع بالإكراه والقمع الممنهج، مستغلاً قطاع التعليم لتصدير العقد النفسية والأيديولوجيات المتخلفة.
ناقوس الخطر وحتمية الخلاص
إن ما يحدث اليوم في مدرسة أروى وفي عموم مناطق سيطرة مليشيا الحوثي يؤكد، وبما لا يدع مجالا للشك، أن هذا الوضع القائم لم يعد يحتمل على الإطلاق. إن هذه الطغمة الكهنوتية تستهدف مستقبل اليمن في أعز ما يملك: "أجياله الناشئة وعقول أطفاله".
لقد بات واضحاً لكل حر وشريف أن الوقت قد حان للخلاص الحقيقي من هذه العصابة التي عاثت في الأرض فساداً، وحولت المدارس من منارات للعلم إلى محارق للكرامة الإنسانية. إن السكوت على هذه الجرائم هو شراكة صريحة فيها، وإن إنقاذ ما يمكن إنقاذه يبدأ بكنس هذا الفكر الظلامي وتطهير المؤسسات التعليمية من أدوات القمع والاستبداد.