معادلة اليمن الجديدة: التصعيد الكبير وتفكك السكون

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

لم ينكسر الهدوء الهش في اليمن فجأة، بل كان ينزف ببطء على مدى أشهر خلف الكواليس. ما جرى أخيرًا من هجمات واسعة بالصواريخ والمسيرات والحشود الحوثية التي طالت مأرب وحضرموت، لم يكن مجرد خرق لروتين الهدنة المقرّة منذ عام 2022، بل إعلان صريح بأن المليشيا استنفدت أغراض السكون العسكري وقررت نقل الأزمة إلى مربع جديد تمامًا.

تكتيكياً، لم يعد الحوثيون يرون في بقع القتال التقليدية سقفاً لعملياتهم. استهدافهم لمناطق حيوية وأخرى آهلة بالنازحين في عمق المناطق المحررة يوجه رسالة مزدوجة؛ الأولى للداخل اليمني ومفادها أن خريطة النفوذ ليست نهائية، والثانية للخارج بأن خطوط الإمداد والتوازن المالي والنفطي للحكومة الشرعية تظل تحت مرمى النيران. هجوم مأرب وحضرموت بالذات يعكس رغبة حثيثة في تعطيل أي استقرار اقتصادي ومؤسسي للمحافظات المحررة ودفع الجميع نحو الهاوية مجدداً.

على الضفة الأخرى، لم تملك الحكومة الشرعية رفاهية الانتظار أو الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية المعتادة. التحول من الدفاع إلى عمليات هجومية مضادة ورفع الجاهزية القصوى في الصحراء وقطع خطوط التهريب يعكس إدراكاً متأخراً – ولكنه ضروري – بأن المرونة المفرطة تُفهم دائماً كضعف ميداني. المعركة اليوم لا تدار في غرف المفاوضات بقدر ما تدار في السيطرة على خطوط الإمداد التي تغذي شريان السلاح القادم عبر منافذ التهريب التقليدية.

يقف المشهد اليوم أمام ثلاثة مسارات لا رابع لها، أولها الانزلاق نحو معركة برية شاملة تعيد صياغة خطوط التماس وتفرض واقعاً ميدانياً ينهي مفاهيم هدنة 2022 نهائياً، وثانيها تدخل دولي عاجل يفرض احتواءً طارئاً وهو خيار يواجه صعوبة بالغة في ظل انشغال القوى الدولية بأزمات إقليمية أكثر حرجاً، أما المسار الثالث فهو الذهاب نحو حرب استنزاف طويلة الأمد تجفف ما تبقى من بنية تحتية وموارد حيوية وتترك اليمن رهينة لسيناريو اللاحرب واللاسلم بكلفة بشرية واقتصادية أعلى بكثير.

إن الركض خلف السراب السلمي دون أوراق قوة على الأرض كان الحساب الخاطئ الذي دفع الجميع ثمنه طوال السنوات الماضية. اليمن يمر اليوم بفرز جديد؛ إما أن تفرض الشرعية معادلة ردع تتجاوز الدفاع التقليدي، أو أن الساحة ستتجه نحو إعادة تشكيل قيصرية تجعل من مفاوضات الأمس مجرد تفاصيل في تاريخ انتهت صلاحيته.