حين يتحول الاعتذار إلى محاكمة .. يا لها من مفارقة تستحق أن تُروى بسخرية.
نقيب الصحفيين محبوب علي، الذي يفترض أن يكون صاحب موقف وصوتًا للصحفيين، وجدناه فجأة أمام مشهد مختلف تمامًا، وكأننا أمام طالب تم استدعاؤه إلى مكتب المدير، لا أمام نقيب يمثل مؤسسة صحفية.
السؤال هنا ليس لماذا اعتذر محبوب علي فقط، بل لماذا احتاج الأمر إلى كل هذا المشهد حتى يصل الرجل إلى الاعتذار؟
هل ارتكب خطأ مهنيًا واضحًا حتى يخرج بهذا الشكل، أم أن الاعتذار كان هو المطلوب أولًا، ثم جرى البحث عن المبررات بعد ذلك؟
والأكثر إثارة للسخرية أن حملة نسوية واسعة ظهرت في المشهد، وكأنها خرجت من تلقاء نفسها وفي توقيت مثالي تمامًا، فهل كانت مصادفة جماعية، أم أن هناك من قرر أن يحول القضية إلى معركة رأي عام؟
نحن لا نتحدث هنا عن ناشطات مارسن حقهن في التعبير، فهذا حق لا ينازعهن فيه أحد، لكن السؤال عن حجم الحشد وتوقيت الحملة والجهة التي استفادت سياسيًا وإعلاميًا من تحويل القضية إلى ضغط متواصل على نقيب الصحفيين.
ثم جاءت النهاية السعيدة، كما يبدو في الرواية:
اعتذار.
لكن أي اعتذار؟
اعتذار جعل البعض يتساءل: هل كان الرجل يعتذر عن خطأ ارتكبه، أم يعلن استسلامه أمام قوة أكبر منه؟
المفارقة أن الاعتذار لم يهز صورة محبوب علي وحده، بل انعكس على كل من وقف معه، وعلى صورة النقابة، وعلى زملاء المهنة الذين يفترض أن تكون مهمتهم الدفاع عن حرية الصحافة، لا مشاهدة نقيبهم وهو يظهر وكأنه يقدم اعتذارًا تحت وطأة الخوف.
ولو كان محبوب علي قد أخطأ فعلًا، فليُقل لنا أين الخطأ وما الذي استوجب الاعتذار، وليكن الاعتذار مهنيًا واضحًا ومحترمًا.
أما أن يتحول المشهد إلى حملة، ثم ضغط، ثم اعتذار مهين، فلا أظن أن أحدًا يستطيع إقناع الصحفيين بأن هذه هي الصورة الطبيعية للدفاع عن الحقوق.
والسؤال الذي سيبقى معلقًا:
هل كانت الرئاسة تريد تصحيح خطأ صحفي، أم كانت تريد تقديم درس علني لنقيب الصحفيين عنوانه:
نحن نستطيع أن نجعلك تعتذر.
إن كان الأمر الأول، فليُعرض الخطأ بالدليل.
وإن كان الثاني، فالمشهد لم يكن انتصارًا لأحد.
لقد كان إهانة لنقيب الصحفيين، وإهانة لمن وقف معه، وإهانة لكل صحفي يؤمن بأن صاحب القلم لا ينبغي أن ينحني إلا للحقيقة.
أما صاحب الحرف الحقيقي، فلا يفترض أن يخاف من الاعتذار عندما يخطئ، لكنه أيضًا لا ينبغي أن يسمح لأحد بأن يحول اعتذاره إلى مشهد إذلال أمام الناس.