المؤتمر الشعبي العام.. مسيرة سياسية تتجدد في مواجهة الحوثيين والدفاع عن الهوية الوطنية

المؤتمر الشعبي العام.. مسيرة سياسية تتجدد في مواجهة الحوثيين والدفاع عن الهوية الوطنية
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

مع اقتراب الذكرى الرابعه والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، يعود الجدل حول الدور الذي لعبه الحزب طوال أكثر من أربعة عقود في الحياة السياسية اليمنية، خصوصاً في ظل الصراع المستمر مع جماعة الحوثيين، وما رافقه من خلافات بشأن مستقبل الدولة والتعليم والهوية السياسية والثقافية للبلاد.

ومنذ تأسيسه في 24 أغسطس 1982، قدم المؤتمر نفسه بوصفه إطاراً سياسياً يقوم على التعددية والحوار والعمل المؤسسي، فيما يضع أنصاره في مقدمة أولوياته الحفاظ على النظام الجمهوري والوحدة والديمقراطية ومكتسبات الثورة اليمنية.

وتقول قيادات مؤتمرية إن المواجهة مع الحوثيين لم تبدأ عسكرياً، وإنما اتخذت منذ سنوات طابعاً سياسياً وفكرياً وثقافياً، خصوصاً مع تصاعد تدخل الجماعة في المؤسسات التعليمية والمناهج الدراسية، وفرض أنماط من الخطاب الديني والسياسي على المدارس والجامعات والمجال العام.

وفي هذا السياق، برزت مواقف للمؤتمر خلال السنوات السابقة ترفض إجراء تغييرات في المناهج بعيداً عن التوافق الوطني، وتحذر من تحويل التعليم إلى وسيلة للصراع السياسي أو المذهبي. وكان الأمين العام السابق للحزب عارف الزوكا قد أعلن في أغسطس 2017 رفض المؤتمر لأي تعديلات على المناهج التعليمية من دون توافق وطني، معتبراً أن العبث بالتعليم قد يترك آثاره على الأجيال المقبلة.

ولم تقتصر الخلافات على المناهج، إذ شملت أيضاً ممارسات قالت قيادات مؤتمرية إنها استهدفت الحياة الجامعية والمدرسية، من بينها القيود على بعض الأنشطة الطلابية وحفلات التخرج، إلى جانب ما وصفه الحزب بمحاولات توظيف المدارس في الترويج للقيادات الحوثية وتعبئة الطلاب سياسياً وعسكرياً.

ومع تصاعد الصراع بين الطرفين، انتقلت المواجهة إلى مرحلة أكثر حدة خلال عام 2017، وصولاً إلى أحداث ديسمبر التي انتهت باستشهاد الرئيس السابق علي عبدالله صالح، مؤسس المؤتمر وأحد أبرز رموزه، والأمين العام للحزب عارف الزوكا. ومنذ ذلك الحين، ظل اسم صالح حاضراً بقوة في الخطاب المؤتمر الشعبي، خصوصاً لدى أنصاره الذين يعتبرون انتفاضة ديسمبر محطة مفصلية في مسار مواجهة الحوثيين.

ويرى المؤتمر أن جوهر الصراع مع الجماعة يتجاوز التنافس على السلطة، ليشمل شكل الدولة ومستقبل النظام السياسي والهوية الوطنية. ويضع الحزب في المقابل مشروع الدولة الجمهورية القائمة على المواطنة والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، في مواجهة ما يصفه بالمشروع السلالي والطائفي.

وتستند الأدبيات التنظيمية للمؤتمر إلى مجموعة من المبادئ التي تؤكد الدفاع عن النظام الجمهوري ووحدة البلاد وسيادتها، والتمسك بالديمقراطية والتعددية السياسية، وبناء دولة القانون، ومواجهة التعصب الطائفي والمناطقي والسلالي، إلى جانب الاهتمام بالتعليم والثقافة والتنمية والبحث العلمي.

ويرى أنصار الحزب أن هذه المبادئ تمثل الإطار الفكري الذي يفسر استمرار موقفهم الرافض للحوثيين، مؤكدين أن معركة استعادة الدولة لا يمكن أن تكون عسكرية فقط، بل تحتاج أيضاً إلى حماية المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، والحفاظ على التعددية السياسية والاجتماعية.

وفي المقابل، يشير مراقبون إلى أن المؤتمر نفسه تعرض خلال السنوات الماضية لانقسامات وتحديات كبيرة، خصوصاً بعد مقتل صالح، وتوزع قياداته بين الداخل والخارج، الأمر الذي أثر في قدرته على التحرك باعتباره كياناً سياسياً موحداً. ومع ذلك، لا يزال الحزب يحتفظ بحضور واسع في قطاعات مختلفة من المجتمع اليمني، وفقاً لأنصاره، فيما يظل أحد أبرز الأسماء المرتبطة بتاريخ الدولة اليمنية الحديثة.

وتأتي ذكرى تأسيس المؤتمر هذا العام في ظل استمرار الصراع اليمني وتعدد المشاريع السياسية والعسكرية المتنافسة، لتعيد إلى الواجهة النقاش بشأن موقع الحزب في أي تسوية سياسية مقبلة، ومدى قدرته على استعادة دوره السابق في الحياة العامة.

كما أثارت أعمال إعلامية حديثة تناولت المواجهة الأخيرة بين صالح والحوثيين اهتماماً داخل الأوساط المؤتمرية، حيث يرى أنصار الحزب أن إعادة استحضار تلك المرحلة تعكس استمرار حضور المؤتمر في المشهد السياسي، بينما يعتبر آخرون أن مستقبل الحزب يرتبط بقدرته على تجاوز إرث الانقسامات وإعادة بناء مؤسساته وطرح رؤية سياسية تتلاءم مع مرحلة ما بعد الحرب.

وبالنسبة للمؤتمريين، فإن إحياء ذكرى التأسيس لا يمثل مناسبة تنظيمية فحسب، بل فرصة للتأكيد على المبادئ التي يقولون إن الحزب تأسس للدفاع عنها، وفي مقدمتها الجمهورية والوحدة والمواطنة المتساوية والتعددية والديمقراطية.

وفي ظل استمرار الأزمة اليمنية، تبدو المعركة السياسية والفكرية حول شكل الدولة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، بينما يبقى المؤتمر الشعبي العام أمام اختبار حقيقي يتمثل في قدرته على تحويل إرثه السياسي والتاريخي إلى مشروع جامع يستطيع التعامل مع التحولات الجديدة، والمساهمة في بناء دولة مستقرة تستوعب مختلف القوى والمكونات اليمنية.