في الذكرى 44 لتأسيس المؤتمر الشعبي العام ..قيادة مسيرة وطن وتحولات الجمهورية اليمنية .

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

عشية الرابع والعشرين من أغسطس/آب 2026، تحل علينا الذكرى الرابعة والأربعون لتأسيس حزب المؤتمر الشعبي العام في اليمن ، الذي تأسس في 24 أغسطس/آب 1982، في محطة وطنية تستدعي من الجميع قراءة وتقييم مسيرة أربعة وأربعين عامًا من تاريخ حزب يمني (100‎%‎ ) ارتبطت رحلته بمحطات رئيسية في صناعة وقيادة التاريخ السياسي والوطني للجمهورية اليمنية، وشارك في صناعة تحولات عميقة تركت بصماتها على الدولة والمجتمع والحياة السياسية اليمنية .

إنها مناسبة لا تقتصر بالنسبة لنا على الاحتفاء بتاريخ تأسيس حزب سياسي يمني عريق مثل امتدادا تاريخيا للحركة الوطنية اليمنية ولثورتيه الخالدتين 26 سبتمبر و 14 اكتوبر ، بل تمثل فرصة لاستحضار مرحلة كاملة من تاريخ اليمن الحديث، بما حملته من إنجازات وإخفاقات وتحديات، واستذكار جيل عظيم من القيادات والمناضلين الذين أسهموا في تأسيس المؤتمر الشعبي العام بقيادة مؤسسه ورئيسه الراحل الشهيد علي عبدالله صالح ورفاقه الأبطال المؤسسين ، ووضعوا اللبنات الأولى لتجربة سياسية رائدة سعت في ظروف يمنية وإقليمية شديدة التعقيد إلى بناء إطار وطني سياسي وحدوي واسع يتجاوز الانقسامات الحزبية والمناطقية والقبلية والجهوية عند التاسيس .

المؤتمر الشعبي العام ومسيرة بناء الدولة الوطنية اليمنية

منذ تأسيسه عام 1982، ارتبط المؤتمر الشعبي العام بمرحلة مهمة من بناء مؤسسات الدولة وتوسيع حضورها، وبمشروعات البنية التحتية والتعليم والصحة والطرق والكهرباء والاتصالات، إلى جانب تطوير مؤسسات الإدارة العامة والأمن والقوات المسلحة.

وخلال المرحلة التي قاد فيها الرئيس علي عبدالله صالح الدولة والمؤتمر، دخل اليمن كذلك مرحلة إنتاج وتصدير النفط، وشهدت البلاد تحولات اقتصادية وعمرانية واجتماعية واسعة، رغم محدودية الموارد والتحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي ظلت تواجه الدولة اليمنية.

ولكن الإنجاز التاريخي الأبرز لتنظيمنا الرائد الذي ارتبط بتلك المرحلة يظل إعادة تحقيق الوحدة الوطنية اليمنية في 22 مايو/أيار 1990، وقيام الجمهورية اليمنية، وهو تحول تاريخي لم يكن مجرد تغيير في الخريطة السياسية الداخلية ، وإنما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعددية السياسية والحزبية والانتخابات والعمل البرلماني الديمقراطي ، وهو منجز تاريخي حققه المؤتمر الشعبي العام بالشراكة مع الحزب الاشتراكي اليمني في جنوب اليمن سابقا بقيادة الرئيس المرحوم علي سالم البيض .

وكان المؤتمر الشعبي العام في قلب هذه التحولات التاريخية ، مشاركًا في إدارة الدولة وفي التجربة السياسية التي أعقبت الوحدة الوطنية ، ومواجهًا في الوقت ذاته أزمات وحروبًا وصراعات سياسية متلاحقة فرضتها تعقيدات الواقع اليمني .

نكبة 2011… نقطة الانكسار الكبرى لليمن والمؤتمر الشعبي العام 

غير أن المسار الداخلي اليمني دخل في عام 2011 واحدة من أخطر مراحله التاريخية .

فما بدأ باحتجاجات ومطالب شبابية واجتماعية سرعان ما تحول، في ظل الانقسامات السياسية والعسكرية والقبلية والتدخلات الخارجية، إلى أزمة شاملة هزت مؤسسات الجمهورية ودفعت البلاد نحو مرحلة من الصراع لم تنته آثارها حتى اليوم.

وكانت جريمة استهداف مسجد دار الرئاسة في 3 يونيو/حزيران 2011 إحدى أكثر اللحظات خطورة في تلك المرحلة، إذ استُهدفت فيها قيادة الدولة والمؤتمر الشعبي العام أثناء صلاة الجمعة، وأصيب الرئيس علي عبدالله صالح وعدد كبير من كبار مسؤولي الدولة والمؤتمر الشعبي ، وسقط منهم العشرات قتلى وجرحى.

ومن وجهة نظري، وبحسب ما وثقته تفصيلًا في كتابي الجديد (تحت الطبع) ، لم تكن تلك الجريمة الارهابية حادثة أمنية معزولة ، وإنما مثّلت نقطة تحول مفصلية في مسار الأزمة السياسية اليمنية، وتستحق بعد كل هذه السنوات تحقيقًا دولياً مستقلًا يكشف الحقيقة كاملة ويحدد المسؤوليات القانونية عن الجريمة وارتباطاتها الدولية ومحاكمة من يقف ورائها بعيدًا عن الروايات السياسية المتعارضة . وقد جعلت من هذه القضية محورًا رئيسيًا في الكتاب باعتبارها ابرز لحظة مفصلية في التاريخ اليمني الحديث.

وعلى الرغم من خطورة أحداث عام 2011، ولكن انتهت الأزمة السياسية حينها بتسوية سياسية وانتقال سلمي للسلطة في عام 2012 صنعها حزب المؤتمر الشعبي العام وهي المبادرة الخليجية واليتها التنفيذية المزمنة ، والتي سلم بموجبها الرئيس علي عبدالله صالح منصب رئاسة الجمهورية ضمن عملية انتقال سياسي سلمية عبر انتخابات عامة إلى خلفه عبر صناديق الانتخابات ، في سابقة مهمة في التاريخ السياسي اليمني الحديث.

ولكن شركاء النكبة والمرحلة الانتقالية (حزب التجمع اليمني للإصلاح وجماعة انصار الله الحوثيين) سرعان ما دخلوا في خلافات وصراعات عميقة فيما بينهم ، في ظل اقصاء كامل لحزبنا ، وتراجعت معها مؤسسات الدولة تدريجيًا ، وادت مخرجاتها إلى  سيطرة جماعة الحوثيين صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، وانزلقت البلاد لاحقًا إلى الحرب والتدخلات الإقليمية والدولية، وأصبحت القضية اليمنية خاضعة بصورة متزايدة للتدخلات الأجنبية ولقرارات مجلس الأمن والعقوبات الانتقامية الظالمة ضد قيادات حزبنا والتدابير الدولية المرتبطة بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة .

وهكذا انتقل اليمن، بعد تسليم السلطة سلمياً من حزب المؤتمر الشعبي العام في 2012 ،خلال سنوات قليلة، من دولة تواجه أزمة سياسية قابلة للتسوية إلى ساحة حرب اهلية وانقسامات داخلية وتدخلات إقليمية وصراع دولي، ولا يزال الشعب اليمني يدفع الثمن الأكبر لهذه المأساة .

كتابي الصادر في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام 

وتكتسب هذه المناسبة بالنسبة لي أهمية خاصة؛ إذ أتأهب لإصدار كتابي التوثيقي القادم بعنوان :

«الجمعة التي احترقت فيها الجمهورية اليمنية 

مسجد دار الرئاسة… الجريمة التي غيّرت تاريخ اليمن»

وهو رواية وثائقية تتناول وقائع الاعتداء الإرهابي الغادر الذي استهدف قيادة الدولة اليمنية وقيادة حزب المؤتمر الشعبي العام في 3 يونيو/حزيران 2011، (تفجير مسجد دار الرئاسة) وتداعياته الداخلية والإقليمية والدولية، مستندة إلى شهادتي الشخصية ومتابعتي القانونية والحقوقية للقضية، وإلى الوثائق والشهادات والمصادر التي جُمعت خلال خمسة عشر عامًا من المتابعة والمناصرة للقضية محلياً ودولياً .

وليس من المصادفة أن يتزامن صدور هذا الكتاب مع ذكرى تأسيس المؤتمر الشعبي العام في العام 44 ؛ فقد خصصت قسمًا رئيساً من الكتاب لدراسة تاريخ ومسيرة حزب المؤتمر الشعبي العام منذ التأسيس وتجربته السياسية والوطنية، انطلاقًا من الترابط بين تاريخ الحزب وموضوع الكتاب ، خصوصًا أن قيادات عليا في الدولة والحزب كانت على رأس المستهدفين في جريمة مسجد دار الرئاسة الذي  تسبب في انهيار البلاد في أتون الفوضى والحرب بسبب تداعياته السلبية وعدم تحقيق العدالة للضحايا وارتباطات الجناة الخارجية وعجز القضاء المحلي ..الخ.

ومن هنا فإن الكتاب لا يستعيد جريمة مسجد دار الرئاسة في الثالث من يونيو 2011 وحدها، وإنما يحاول قراءة ما سبقها وما أعقبها: اليمن قبل 2011، والأزمة السياسية، والجريمة الارهابية الأضخم في تاريخ اليمن والمنطقة ، وانتقال السلطة، والمرحلة الانتقالية، ثم انهيار مؤسسات الدولة وسقوط صنعاء والحرب والتدخلات الخارجية التي لا تزال آثارها مستمرة.

كما يتضمن الكتاب دراسة تقييمية شاملة لمسيرة المؤتمر الشعبي العام، تتناول تجربته الوطنية والسياسية، وأدواره وإنجازاته والتحديات والأخطاء التي واجهته ، وصولًا إلى وضعه في سياق الصراع اليمني الراهن ومستقبله كأحد المكونات الرئيسية في الحياة السياسية اليمنية والتحركات الاجنبية والداخلية لإضعافه وتكرار استهدافه او السيطرة عليه بشكل مخالف للنظام الداخلي للحزب وللواقع السياسي .

إن توثيقنا تاريخ حزب المؤتمر الشعبي العام لا ينبغي أن يكون مجرد احتفاء بالماضي وانجازاته الوطنية ، بل هو قراءة نقدية ومسؤولة لتجربة سياسية ووطنية امتدت أكثر من أربعة عقود، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تساعد الحزب على استعادة دوره الوطني وتطوير بنيته والحفاظ على هويته الوطنية الجامعة المصنوعة في اليمن والتي تأسست على رفض التبعية الخارجية بكل صورها ، وبعيدًا عن مشاريع التفكيك وجماعات الاستقطاب المذهبي والديني والصراعات والتدخلات الخارجية التي أنهكت اليمن.

تهنئة مستحقة في ذكرى التأسيس 44 

وبهذه المناسبة الوطنية والحزبية التاريخية الهامة ، أتقدم بخالص التهاني والتبريكات إلى قيادة المؤتمر الشعبي العام، ممثلة برئيس المؤتمر الشعبي العام الشيخ صادق أمين أبو راس، ونائب رئيس المؤتمر السفير أحمد علي عبدالله صالح، والأمين العام غازي أحمد علي محسن الأحول، وإلى قيادات وأعضاء وكوادر وأنصار المؤتمر الشعبي العام في مختلف محافظات اليمن وفي الخارج.

كما نستذكر في هذه المناسبة ونطلب من الجميع  قراءة الفاتحة إلى روح مؤسس المؤتمر الرئيس الراحل الشهيد علي عبدالله صالح ورفيقه الامين العام الشهيد عارف عوض الزوكا ، وكل القيادات والمؤسسين والمناضلين الذين شاركوا في بناء هذه التجربة السياسية على مدى العقود الماضية، ونستذكر بكل فخر من رحل منهم وندعو بالعافية وطول العمر لمن لا يزال منهم يحمل مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث الوطني .

إن الذكرى الرابعة والأربعين ينبغي أن تكون محطة مفصلية للمراجعة التنظيمية الداخلية بقدر ما هي مناسبة للاحتفاء؛ مراجعة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة والجمهورية والوحدة الوطنية، وتضع مصلحة اليمن فوق المصالح التنظيمية والشخصية، وتدفع نحو استعادة العمل السياسي السلمي بوصفه البديل الحقيقي عن السلاح والحرب والانقسام وجماعات العنف الديني والمذهبي والتبعية للأجنبي .

لقد تغير اليمن كثيرًا منذ 24 أغسطس 1982، لكن الحاجة إلى دولة جمهورية مستقرة، ومؤسسات دستورية، وحياة سياسية تعددية، ومصالحة وطنية شاملة، لا تزال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. 

وفي الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، يبقى الأمل أن تتحول دروس العقود الماضية، بإنجازاتها ومآسيها، إلى أساس لمشروع وطني جديد يعيد لليمن دولته واستقراره ووحدته، ويمنح الأجيال القادمة وطنًا يستطيع أبناؤه الاختلاف داخله دون أن يهدموه .

كل عام والمؤتمر الشعبي العام وقياداته وكوادره وأنصاره بخير.

وكل عام واليمن ينعم بالسلام واستعادة دولته ووحدته واستقراره، ولا نامت أعين الارهابيين الجبناء وكل من رهنوا مصير اليمن وجماعاتهم للتبعية للخارج اينما كانوا  .