اثنا عشر عامًا من الحرب.. حين أصبح التعليم في اليمن ضحية أخرى للصراع
مع انطلاق العام الدراسي الجديد في اليمن، يدخل التعليم عامه الثاني عشر في ظل حرب أنهكت البلاد وأثقلت كاهل اليمنيين، وحوّلت المدرسة من مساحة يُفترض أن تكون عنوانًا للمستقبل إلى واحدة من أكثر القطاعات تضررًا من الصراع. اثنا عشر عامًا دراسيًا مرّت منذ انقلاب جماعة الحوثيين على الدولة، وهي فترة طويلة بما يكفي لتشكيل جيل كامل؛ جيلٌ كان يُفترض أن يكون اليوم على مقاعد الجامعات أو في سوق العمل، لكنه وجد نفسه في مواجهة واقع مختلف: مدارس متضررة، ومعلمون يعانون من أوضاع معيشية صعبة، وأسر عاجزة عن توفير المستلزمات الدراسية، وأطفال اضطروا إلى مغادرة مقاعد الدراسة بحثًا عن لقمة العيش.
وفي المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية، حُرم ملايين الأطفال خلال سنوات الحرب من تعليم مستقر ومنتظم، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع الخدمات وصعوبة وصول الطلاب إلى المدارس في كثير من المناطق. وفي المقابل، يواجه الأطفال في مناطق سيطرة الحوثيين واقعًا تعليميًا مختلفًا، بعدما جرى تغيير أجزاء من المناهج الدراسية بما يتوافق مع توجهات الجماعة وأفكارها، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من توظيف التعليم في الصراع السياسي والعقائدي.
ولم تعد مشكلة التعليم في اليمن مرتبطة فقط بوجود المدرسة أو غيابها، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرة الأسرة على الوصول إليها وتحمل تكاليفها. فخلال السنوات الماضية، تسرب آلاف الطلاب من المدارس بعدما عجزت أسرهم عن توفير الملابس والكتب والحقائب والمستلزمات الدراسية، فضلًا عن تكاليف المواصلات التي أصبحت عبئًا إضافيًا على أسر تعيش في ظل أزمة اقتصادية قاسية.
ولم يكن التسرب خيارًا بالنسبة إلى كثير من الأطفال، بل كان نتيجة مباشرة للفقر. فهناك طلاب تركوا مقاعد الدراسة للعمل ومساعدة أسرهم في توفير احتياجاتها الأساسية، فيما اضطر آخرون إلى البحث عن أي عمل متاح، حتى وإن كان ذلك على حساب مستقبلهم التعليمي.
وهكذا أصبح الطفل اليمني أمام معادلة قاسية: إما أن يواصل تعليمه في ظروف صعبة، أو يترك المدرسة ليساعد أسرته على البقاء.
والأخطر من تسرب الأطفال هو أن تتراجع قناعة المجتمع نفسه بجدوى التعليم. فاليمني الذي يرى آلاف الخريجين الجامعيين ينتظرون سنوات طويلة دون الحصول على وظائف، ويرى أصحاب الشهادات يعملون في مهن لا علاقة لها بتخصصاتهم، قد يبدأ في طرح سؤال مؤلم: ما الفائدة من أن أواصل تعليم ابني إذا كان المستقبل لا يضمن له فرصة عمل؟ هذه الفكرة، وإن كانت قاسية، بدأت تجد طريقها إلى بعض الأسر التي أصبحت تنظر إلى التعليم باعتباره استثمارًا طويل الأمد لا يضمن عائدًا واضحًا.
ومن هنا، فإن المشكلة لم تعد في المدرسة وحدها، وإنما في العلاقة بين التعليم وسوق العمل ومستقبل الشباب. فعندما يتخرج الطالب من الجامعة ثم يجد أبواب الوظيفة مغلقة أمامه، فإن ذلك يبعث برسالة سلبية إلى الجيل الذي ما زال على مقاعد الدراسة.
وبعد اثني عشر عامًا من الحرب، لم يعد الحديث عن التعليم مجرد حديث عن المناهج والمدارس والمعلمين، بل أصبح حديثًا عن مستقبل بلد بأكمله. فالأطفال الذين حُرموا من التعليم اليوم سيكونون غدًا جزءًا من المجتمع وسوق العمل ومؤسسات الدولة، وإذا استمر تسربهم من المدارس، فإن اليمن سيواجه في المستقبل أزمة أكبر تتمثل في اتساع قاعدة الشباب غير المؤهلين، وتراجع فرص التنمية، وزيادة معدلات الفقر والبطالة.
وفي الجانب الآخر، فإن استمرار توظيف التعليم في الصراع السياسي والفكري يمثل خطرًا لا يقل أهمية؛ لأن المدرسة ينبغي أن تكون مكانًا لبناء الإنسان، لا وسيلة لإعادة إنتاج الصراع وتوريثه للأجيال الجديدة.
اليمن اليوم بحاجة إلى رؤية وطنية تعيد للتعليم مكانته باعتباره قضية أمن قومي ومستقبل أجيال، بعيدًا عن الحسابات السياسية والعسكرية. إنقاذ المدارس، وتحسين أوضاع المعلمين، ودعم الأسر الفقيرة، وتوفير المستلزمات الدراسية، والحد من التسرب، وإعادة بناء المناهج على أسس وطنية وعلمية، وربط مخرجات التعليم بسوق العمل، كلها ملفات لم تعد تحتمل التأجيل.
اثنا عشر عامًا من الحرب كانت كافية لتكشف حجم الخسارة، لكن الوقت لم ينتهِ بعد. فما زال بالإمكان إنقاذ جيل كامل إذا أصبح التعليم أولوية وطنية حقيقية، وإذا أدرك الجميع أن الحرب قد تنتهي يومًا، لكن آثار الجهل وضياع التعليم قد تمتد لعقود. وفي بلدٍ أنهكته الحرب، ربما يكون أعظم انتصار يمكن تحقيقه هو أن يبقى الطفل اليمني داخل المدرسة، وأن يخرج منها حاملًا كتابًا وشهادة وأملًا بمستقبل أفضل، بدلًا من أن يخرج منها بحثًا عن لقمة العيش.