هل نتجه نحو التصعيد أم التسوية في مضيق هرمز؟
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري إقليمي، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الدولي على حماية حرية الملاحة وتأمين تدفقات الطاقة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، ومع تصاعد العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران، وتراجع حركة الملاحة في المضيق، والتهديدات المرتبطة بإمكانية استخدامه كورقة ضغط، يبرز السؤال الأهم: هل يتجه العالم نحو تصعيد عسكري واقتصادي جديد، أم أن الضغوط ستدفع الأطراف إلى تسوية مؤقتة تعيد فتح المضيق وتمنع انفجار أزمة طاقة عالمية؟
ان التطورات الأخيرة تشير إلى أن المسارين ما زالا مفتوحين، فمن جهة، صعّدت الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية على إيران، واستهدفت قطاعات وشركات وسفنًا مرتبطة بالنفط الإيراني، بينما اتخذت الإمارات إجراءات اقتصادية تجاه التعامل مع إيران. وفي المقابل، ترفض الصين العقوبات الأحادية الأمريكية، خصوصًا أن اقتصادها يعتمد بدرجة كبيرة على إمدادات الطاقة القادمة من منطقة الخليج، الأمر الذي يجعل أي اضطراب طويل في مضيق هرمز تهديدًا مباشرًا لسلاسل الإمداد العالمية.
وهنا تكمن خطورة معادلة هرمز؛ فالضغط على إيران يمكن أن يتحول إلى ضغط على الاقتصاد العالمي نفسه. فالمضيق يمثل شريانًا رئيسيًا لصادرات النفط والغاز من الخليج، وأي تعطيل واسع ومستمر لحركته لا يضر إيران وحدها، بل ينعكس على السعودية والكويت وقطر والبحرين والعراق والإمارات، وعلى الأسواق الآسيوية والأوروبية التي تعتمد بدرجات مختلفة على الطاقة القادمة من المنطقة.
وتزداد المشكلة حساسية بالنسبة إلى قطر والكويت والبحرين، باعتبار أن خياراتها البديلة محدودة نسبيًا، بينما تمتلك السعودية قدرة أكبر على تجاوز مضيق هرمز من خلال خط أنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة تصل إلى نحو سبعة ملايين برميل يوميًا، وهذا الخط يمثل أحد أهم البدائل الاستراتيجية التي تقلل اعتماد السعودية على هرمز،
غير أن الانتقال إلى البحر الأحمر يفتح بدوره جبهة أخرى تتمثل في مضيق باب المندب والتهديدات الحوثية للملاحة. ولذلك فإن أزمة هرمز لا يمكن فصلها عن أزمة البحر الأحمر؛ لأن اضطراب المضيقين في الوقت نفسه سيشكل ضغطًا مزدوجًا على تجارة الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، ويرفع تكاليف النقل والتأمين ويزيد من احتمالات ارتفاع أسعار النفط والغاز.
وفي هذا السياق، عملت بعض دول الخليج على تطوير مسارات بديلة لتصدير النفط. فالإمارات تمتلك خط أنابيب يصل إلى ميناء الفجيرة خارج مضيق هرمز، وتسعى إلى زيادة قدرتها التصديرية عبر هذا المسار، بما يقلل تدريجيًا من اعتمادها على المضيق. كما تمثل الموانئ المصرية على البحر المتوسط، وفي مقدمتها سيدي كرير، أحد المسارات المهمة لتصدير النفط إلى الأسواق الأوروبية بعيدًا عن بعض المخاطر المرتبطة بالمرور في البحر الأحمر وباب المندب.
لكن هذه البدائل، رغم أهميتها، لا تستطيع إلغاء الدور الاستراتيجي لمضيق هرمز، فالكميات التي تمر عبره، ولا سيما النفط والغاز الطبيعي المسال، تجعل أي اضطراب كبير فيه ذا تأثير عالمي، خصوصًا على الأسواق الآسيوية.
وهنا يبرز السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة إخضاع إيران بالعقوبات الاقتصادية وحدها؟
التجربة السابقة تشير إلى أن إيران طورت على مدى سنوات شبكات مالية وتجارية وواجهات وشركات وطرقًا بديلة للالتفاف على العقوبات، مستفيدة من علاقاتها مع عدد من الدول الآسيوية والأسواق الدولية. ولذلك فإن العقوبات يمكن أن تستنزف الاقتصاد الإيراني وتقلص إيراداته، لكنها لا تضمن بالضرورة تغيير السلوك الاستراتيجي لطهران في المدى القصير.
بل إن زيادة الضغط الاقتصادي قد تدفع إيران إلى استخدام أوراق القوة التي تمتلكها في المنطقة، وعلى رأسها مضيق هرمز، باعتباره أهم ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة والدول الغربية.
وهنا تظهر المفارقة الإيرانية: إيران تحتاج إلى هرمز اقتصاديًا، لكنها تحتاج إليه أيضًا سياسيًا وعسكريًا كورقة تفاوض. وكلما طال تعطيل الملاحة، ازدادت في المقابل رغبة الدول الخليجية والدول المستوردة للطاقة في بناء طرق بديلة، الأمر الذي قد يؤدي تدريجيًا إلى تقليص القيمة الاستراتيجية للمضيق بالنسبة إلى إيران.
ومن هنا تأتي أهمية التحركات الدبلوماسية التي تقودها دول المنطقة لمنع تحول الأزمة إلى مواجهة مفتوحة. فقد تحركت قطر وعُمان وباكستان باتجاه الوساطة وخفض التصعيد، في محاولة لفتح قنوات اتصال بين الأطراف، والبحث عن ترتيبات تضمن حرية الملاحة وتمنع تحول مضيق هرمز إلى ساحة حرب دولية،
وهذا يعني أن التسوية لم تعد مجرد احتمال نظري، وإنما أصبحت مسارًا سياسيًا مطروحًا بقوة، وإن كان لا يزال هشًا. فالخلاف بين واشنطن وطهران لا يتعلق بالملاحة وحدها، بل يمتد إلى العقوبات والنفوذ الإقليمي والبرنامج النووي والقدرة الإيرانية على استخدام أدوات القوة غير المباشرة في المنطقة،
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل العامل الأمريكي الداخلي. فواشنطن تريد تحقيق نتائج ملموسة من سياسة الضغط على إيران، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية، لكن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة أو حدوث اضطراب طويل في الخليج قد يتحول من أداة ضغط على إيران إلى عبء اقتصادي وسياسي على الإدارة الأمريكية نفسها.
وهنا تواجه واشنطن معادلة شديدة التعقيد: تشديد العقوبات من جهة، ومنع إغلاق مضيق هرمز من جهة أخرى، مع تجنب الانجرار إلى حرب شاملة جديدة يمكن أن ترفع أسعار النفط وتزيد الضغوط على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.
أما الصين، فهي تمثل عاملًا آخر في المعادلة. فبكين تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة القادمة من الخليج، ولذلك فإن إغلاق هرمز أو استمرار اضطراب الملاحة فيه سيؤثر في الاقتصاد الصيني وسلاسل الإمداد العالمية، وفي الوقت نفسه، لا تريد الصين أن تتحول العقوبات الأمريكية إلى أداة لإعادة رسم خريطة الطاقة والتجارة الدولية وفق المصالح الأمريكية وحدها.
لكن هرمز ليس الجبهة الوحيدة. فهناك الجبهة الأخرى في جنوب الجزيرة العربية: البحر الأحمر وباب المندب. وإذا استمر الضغط على إيران، فقد يصبح السؤال التالي هو: هل يتجه المجتمع الدولي إلى إضعاف الأذرع الإقليمية للحرس الثوري الإيراني، وعلى رأسها الحوثيون الذين صعدو هجماتهم على السفن و الموانئ في المخا و ينبع وغيرها من الاعمال الإرهابية المتصاعدة، و لمنع انتقال الصراع من هرمز إلى باب المندب يجب ان يتحرك الجميع للقضاء على مليشيات الحوثي الإيرانية
فهل اقتنع الجميع؟
وهذا الاحتمال يرتبط أيضًا بالتطورات في لبنان والعراق؛ فمحاولات حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، والجهود العراقية لإعادة تنظيم علاقة فصائل الحشد الشعبي بمؤسسات الدولة، تعكس اتجاهًا إقليميًا أوسع نحو تقليص قدرة الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران على اتخاذ قرارات عسكرية مستقلة عن الحكومات،
غير أن هذه العملية لن تكون سريعة أو سهلة، خصوصًا في العراق، حيث يتطلب الأمر ترتيبات سياسية وأمنية معقدة وتوافقًا داخليًا يسمح للدولة بامتلاك قرار أمني وعسكري موحد بعيدًا عن الاستقطاب الإقليمي.
اقتصاديًا، أصبحت الأسواق العالمية شديدة الحساسية تجاه تطورات هرمز، فكلما ارتفع احتمال إغلاق المضيق ارتفعت أسعار النفط والتأمين والشحن، وكلما ظهرت مؤشرات على نجاح الوساطات وإعادة فتح الملاحة تراجعت حدة المخاوف في الأسواق، وهذا يؤكد أن هرمز لم يعد قضية أمنية خليجية فحسب، بل أصبح جزءًا من معادلة الاقتصاد العالمي.
والأهم أن الأزمة لا تتعلق بالنفط وحده؛ فاضطراب هرمز يمكن أن يؤثر في صادرات الغاز الطبيعي المسال والبتروكيماويات والأسمدة، ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج والنقل، بما ينعكس على أسعار السلع وسلاسل الإمداد في مختلف أنحاء العالم،
ومن هنا فإن استمرار التصعيد لفترة طويلة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية بالنسبة لجميع الأطراف. إيران ستخسر جزءًا من قدرتها على تصدير النفط وتحقيق الإيرادات، ودول الخليج ستتحمل تكلفة اضطراب الملاحة، والصين وآسيا ستواجهان ضغوطًا على إمدادات الطاقة، بينما ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام احتمال ارتفاع أسعار النفط والتضخم وتزايد الضغوط السياسية الداخلية،
ولهذا فإن السيناريو الأكثر واقعية في المرحلة المقبلة ليس حربًا شاملة ولا تسوية نهائية، وإنما تصعيد تفاوضي؛ أي استمرار الضغوط والعقوبات والتهديدات بالتوازي مع الاتصالات والوساطات ومحاولات التوصل إلى ترتيبات مؤقتة تضمن حرية الملاحة.
وقد تبدأ هذه التسوية بفتح ممرات آمنة للملاحة، وضمان مرور السفن التجارية، وترتيبات لإزالة الألغام وتأمين المضيق، ثم الانتقال إلى تفاهمات أوسع حول العقوبات والقضايا الأمنية،
لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطًا بقدرة الولايات المتحدة وإيران على الفصل بين ملف الملاحة وملفات الصراع الأوسع. فإذا تحول هرمز إلى أداة في حرب مفتوحة، فإن تكلفة التصعيد لن تبقى محصورة في إيران أو الخليج، بل ستصل إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع إيران إغلاق مضيق هرمز؟
بل أصبح: هل تستطيع إيران استخدام هرمز كورقة تفاوض دون أن تخسر قيمته الاستراتيجية، وهل تستطيع الولايات المتحدة الضغط على إيران دون أن تدفع الاقتصاد العالمي إلى أزمة طاقة؟
وبين هذين السؤالين ستتحدد طبيعة المرحلة المقبلة، فإذا نجحت الوساطات الإقليمية والدولية في إنتاج تفاهم مؤقت يحفظ حرية الملاحة ويخفف الضغوط، فقد يكون هرمز بوابة لتسوية أوسع، أما إذا فشلت الدبلوماسية واستمر التصعيد المتبادل، فقد تتحول منطقة الخليج والبحر الأحمر وباب المندب إلى مسرح مترابط لأزمة أمنية واقتصادية هي الأخطر منذ عقود.
وفي المحصلة، تبدو المنطقة اليوم أقرب إلى تسوية مؤقتة تحت ضغط التصعيد، وليس إلى حرب شاملة أو سلام نهائي، فالجميع يدرك أن إغلاق هرمز ستكون كلفته أكبر من قدرة أي طرف على تحملها، لكن الوصول إلى التسوية يتطلب تنازلات متبادلة وضمانات دولية حقيقية لحرية الملاحة وأمن الطاقة، إن معركة مضيق هرمز في جوهرها ليست معركة على ممر مائي فحسب، وإنما معركة على من يملك القدرة على التحكم في شرايين الطاقة والتجارة العالمية، ومن يستطيع فرض قواعد اللعبة الجديدة في الخليج والشرق الأوسط.
أكاديمي ومحلل سياسي يمني