أقبية الظل ومشفى الذعر .. حين تتوارى قيادات مليشيا الحوثي خلف أسوار الخفاء

أقبية الظل ومشفى الذعر .. حين تتوارى قيادات مليشيا الحوثي خلف أسوار الخفاء
مشاركة الخبر:

عشرة أعوام ونيف من الاستبداد الممتلئ بالخوف والمحاط بهالات زائفة من القوة والزيف، لم تفلح في حماية عروش المستبدين من رجفة الذعر متى ما اقتربت ريح الحقيقة من أبراجهم العاجية. ففي العاصمة المختطفة صنعاء، حيث تتنفس الجدران قهراً ويتلفت الحجر خيفة، تنسج مليشيا الحوثي فصولاً جديدة من العبث الإداري والأمني، متوارية في مخابئ سرية وأقبية مسيجة بالصمت والموت، بعد أن أُصيبت رأس الهرم القيادي بضربات موجعة خلعت عنها أردية التبرج الإعلامي.
لم يعد الأمر مجرد تكتم على هزيمة عسكرية أو تضليل في نشرة أخبار باهتة، بل تحول إلى دراما بائسة تتجسد في خطف الأطباء من بيوتهم معصوبي الأعين، وزجهم في مستنقعات الرعاية الطبية السرية لإنقاذ أرواح قادة أذاقوا الشعب اليمني الويلات، وكأن الدماء التي أراقوها لا تُسترد إلا بدماء براءة العقول الطبية المسلوبة حريتها، في مشهد يعيد للأذهان حكايات القلاع الموصولة بسراديب الهلاك التي لا يعلم منتهاها إلا من سكنها هارباً من غضب السماء والأرض.

دكتور مرعوب في حقيبة سيارة مظلمة
يقول الدكتور "ع. م"، وهو استشاري جراحة عامة جرى استدعاؤه قسراً في منتصف ليلة دامسة:
"لم أكن أدرك وأنا ألملم أجهزتي الطبية البسيطة أنني على موعد مع رحلة إلى العالم السفلي؛ فقد توقفت سيارة مظلمة أمام منزلي دون سابق إنذار، وطلب مني مرافقون مسلحون يلفهم الوجوم صعود السيارة مع عصبة عينين أحكم ربطها حول وجهي. طوال مسير استغرق قرابة الساعة في شوارع صنعاء الموحشة، لم أسمع سوى دقات قلبي المرتجفة وأنفاس مرافقي المتقطعة. وحين نزلت وجدت نفسي داخل قبو أرضي شديد التحصين، تفوح منه رائحة المطهرات الحادة وذعر الخوف المكتوم. كانت أمامي قامة قيادية بارزة في مليشيا الحوثي، تغط في غيبوبة ألم جراء إصابة بالغة في أحشائها. طوال عشرة أيام قضيتها معزولاً عن العالم، لم أكن أرى سوى وجوه شاحبة تحرس الأبواب الحديدية، وعيون تترقبني بريبة تكاد تقتلني، أُعالج مريضاً أذاق شعبي العذاب، وأنا أدرك تماماً أن خروجي حيّاً من ذلك المخبأ قد يكون درباً من المستحيل لو تجرأت على التفوه بما رأيت".

حارس أقبية مخلوع من الأمان
يروي الشاب "صالح."، أحد العاملين في مجال الإمداد اللوجستي بالمدينة، مشاهداته قائلاً:"شهدتُ خلال الأسابيع الماضية حركة غير عادية لسيارات إسعاف تحمل نوافذ مظللة بالكامل، تتحرك بعد منتصف الليل نحو أحياء سكنية هادئة تحولت فجأة إلى ثكنات عسكرية محاطة بالحراسات المشددة.
كانت العناصر الحوثية تفرض طوقاً أمنياً حديدياً، وتمنع حتى الطير من الاقتراب من محيط تلك المنازل الفارهة المستولى عليها.
لم يعد الأمر مقتصراً على علاج جريح عابر، بل رأيت بنفسي كيف يُنقل أطباء وممرضون مهرة تحت التهديد المباشر بالسلاح إلى داخل تلك السراديب. إنهم مرعوبون من افتضاح أمر قياداتهم التي طالما ادعت الخلود والمنعة، ليتبين أنهم مجرد بشر تافهين ترجف قلوبهم خوفاً من مصيرهم المحتوم، وأن كل تلك الهالة الإعلامية ما هي إلا فقاعة صابون هشة تهاوت أمام أول اختبار حقيقي للقوة".

ممرض مسلوب الإرادة بين جدران الرعب
يشاركنا الممرض "سعيد" تفاصيل أيامه المرعبة داخل المستشفيات البديلة، بالقول:
"طلبوا مني التوجه إلى جهة غير معلومة بحجة وجود حالة إسعافية طارئة تخص أحد الوجهاء، وما إن أدرت وجهي حتى وجدتها مصيدة محكمة. وُضعت في غرفة تعقيم ضيقة لا تنفذ إليها شمس النهار، وحولها ثلة من المسلحين الذين يوجهون فوهات بنادقهم نحو صدورنا طوال ساعات المناوبة. كان الجرحى من القيادات الحوثية الكبيرة يئنون بصمت قاتل، يغلبهم الخوف من الموت قدر ما يغلبهم الخوف من افتضاح أمر إصاباتهم أمام عناصرهم البسيطة التي يغررون بها في الجبهات.
كنت أقف أقدم الحقن وأقيس العلامات الحيوية لأشخاص تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء، وأنا أتساءل في سريرتي: كيف لمن يدعي الحق الإلهي أن ينتهي به المطاف فأراً جريحاً يختبئ في أقبية الظلام، مرعوباً من وشاية طبيب أو صوت طائر يعبر السماء؟".

شاهد عيان من أزقة صنعاء المترقبة
يصف المواطن "أبو بكر"، الساكن في أحد الأحياء القريبة من المواقع المستحدثة، المشهد بقوله:"منذ منتصف الشهر الماضي ونحن نعيش حالة من الاستنفار غير المبرر؛ فحركة السير تغيرت، ودوريات مليشيا الحوثي تملأ الأزقة الفرعية، وتمنع المارة من الوقوف طويلاً بالقرب من تلك الفلل والمنازل المصادرة. رأينا سيارات ذات زجاج داكن تتردد بانتظام، ويُلاحظ عليها حالة الارتباك والهلع التي تعتري عناصر الحراسة.
المثير للسخرية والأسى معاً هو كيف تحولت تلك القيادات، التي كانت تملأ الشاشات خطابة وتهديداً وتوعداً للجميع بالويل والثبور، إلى أشباح مصابة تتوارى عن الأنظار، تسعى خلف طبيب مقيد ليخيط جراحها في الخفاء. إن الشارع الصنعاني بات يدرك جيداً أن هذه المليشيا تتهاوى من الداخل، وأن أسطورتهم المزعومة تتساقط أجزاء مع كل جريح يُحمل سراً إلى تلك الأقبية".

مراقب سياسي يفكك خفايا الارتباك الحوثي
يحلل الكاتب والمحلل السياسي "عادل" الأبعاد الاستراتيجية لهذا التخبط، موضحاً: "إن لجوء مليشيا الحوثي إلى إخفاء قياداتها المصابة بهذه الطريقة الهستيرية، وجلب الأطباء قسراً إلى مواقع سرية، يعكس بدقة حجم التصدع البنيوي والأمني الذي يعتري صفوفها العليا. إنهم لا يخشون فقط الضربات العسكرية الموجهة، بل يرتجفون رعباً من انهيار المعنويات المنهكة أصلاً لعناصرهم في الميدان، فكشف حقيقة إصابة الصف الأول ينسف أكذوبة الحصانة الربانية والمناعة القيادية التي يروجون لها ليل نهار.
إن إدارتهم لهذه الأزمات عبر التعتيم والأقبية والسرية المطلقة تؤكد أن المشروع الحوثي قد دخل مرحلة التآكل الذاتي، حيث باتت القيادات تفضل التواري كالجرذان على مواجهة الحقيقة، مستخدمة الأطباء والمرافقين دروعاً بشرية ومعنوية لستر خيباتها المتوالية أمام مجتمع لم يعد يعبأ بأكاذيبهم السمجة".

الخاتمة:
تتطاول الظلال فوق جدران صنعاء الجريحة، حاملةً في طياتها نذير تحول تاريخي كبير في مسار الصراع. فحين يتخلى سادة الحرب عن شجاعتهم المزعومة، ويتحولون إلى مرضى هاربين من وجه الحقيقة في أقبية مظلمة، يدرك الجميع أن بناء الاستبداد، مهما علا شأنه وتجبّر، فإنه مبني على رمال موحلة من الخداع والزيف.
إن استعانة المليشيا بالأطباء المختطفين لعلاج جراحهم المستترة لا يعدو أن يكون محاولة بائسة لترقيع ثوب مهترئ مزقته نيران الواقع وأصوات الرفض الشعبي المتصاعد. وقريباً، حين تنقشع غشاوة الخوف وتتساقط أستار الأقبية المظلمة، لن يجد هذا الكيان المأزوم مكاناً يتوارى خلفه، سوى مزابل التاريخ التي تتسع لكل الطغاة والهاربين من عدالة الأيام وحتمية السقوط.