هونغ كاو و مضيق هرمز و البحر الأحمر .. هل تستعد الولايات المتحدة لحرب بحرية كبرى مع إيران وأذرعها؟

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

لم يكن ترشيح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في الأول من سبتمبر/أيلول 2026، للضابط السابق في البحرية الأمريكية هونغ كاو لمنصب وزير البحرية مجرد قرار إداري لسد شغور في قيادة الوزارة، فاختيار رجل أمضى نحو 25 عامًا في البحرية، وخدم في العمليات الخاصة والغوص والتعامل مع المتفجرات، وشارك في العراق وأفغانستان، يأتي في لحظة تتحول فيها المواجهة مع إيران من صراع تقليدي على النفوذ إلى صراع مباشر على البحار والممرات الاستراتيجية
والأهم أن كاو يتولى المنصب في وقت تواجه فيه البحرية الأمريكية اختبارًا مزدوجًا يتمثل في حرب طويلة ومكلفة مع إيران، والحاجة المتزايدة إلى الحفاظ على جاهزية الأسطول وإعادة بناء قدرته على خوض حرب بحرية ممتدة، وقد ارتبط ترشيحه مباشرة بفترة توليه منصب وزير البحرية بالإنابة منذ أبريل/نيسان، عقب مغادرة جون فيلان، فيما أثارت فترة الانتشار الطويلة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في الحرب مع إيران نقاشًا واسعًا حول إرهاق البحارة والضغط الذي تتعرض له القوة البحرية الأمريكية
ومن هنا تبرز دلالة اختيار ترامب لـ«محارب» كما وصفه بنفسه، وليس مجرد إداري مدني، فالرئيس الأمريكي أعلن أنه يريد من مجلس الشيوخ المصادقة سريعًا على كاو، واصفًا إياه بأنه مقاتل ومحارب ولاجئ سابق قادر على قيادة البحرية ومشاة البحرية في المرحلة المقبلة، فهل نحن أمام تعيين إداري عابر، أم أمام مؤشر على أن واشنطن تستعد لمرحلة جديدة ستكون فيها الحرب البحرية أحد أهم وجوه المواجهة مع إيران وأذرعها؟
من هرمز إلى باب المندب:
استراتيجية الضغط البحري الإيرانية
إذا كان مضيق هرمز يمثل البوابة التي تمر عبرها نسبة هائلة من تجارة الطاقة العالمية، فإن باب المندب يمثل البوابة المقابلة التي تربط المحيط الهندي وبحر العرب وخليج عدن بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط، وهنا تكمن خطورة الاستراتيجية الإيرانية
فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيقين بصورة كاملة حتى تحقق تأثيرًا استراتيجيًا كبيرًا، إذ يكفي أن تجعل المرور عبرهما أكثر خطورة وكلفة، وأن تدفع شركات الملاحة والتأمين إلى إعادة حساباتها، وأن تخفض عدد السفن العابرة، حتى يتحول الممر البحري من طريق تجاري طبيعي إلى منطقة عالية المخاطر
وهذا ما بدأ يظهر بالفعل، ففي الثاني من سبتمبر/أيلول أظهرت بيانات الملاحة انخفاض عدد سفن السلع العابرة لمضيق هرمز إلى أربع سفن فقط في يوم واحد، مقابل متوسط بلغ نحو 13 سفينة خلال عشرة أيام، وفي الوقت نفسه انخفضت حركة الملاحة عبر باب المندب إلى 18 سفينة مقابل متوسط بلغ 24 سفينة، وهذه الأرقام أولية، لكنها تكشف أن تأثير التصعيد لم يعد نظريًا، بل بدأ ينعكس على حركة الملاحة نفسها
وهنا تصبح المعادلة الإيرانية أكثر وضوحًا، فهل يمكن لطهران أن تضغط في هرمز من الشرق، وتدفع الحوثيين إلى الضغط في باب المندب من الغرب، بحيث يتحول المضيقان إلى جبهتين متزامنتين في حرب واحدة على حركة التجارة والطاقة؟
الحوثيون من وكيل إقليمي إلى ذراع بحرية لإيران
أصبحت جماعة الحوثي عنصرًا أساسيًا في هذه المعادلة، فالقدرة الحوثية على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديد السفن واستهداف البنية التحتية النفطية وإعلان ما يشبه الحظر البحري، تمنح إيران قدرة على توسيع نطاق الصراع دون أن تضطر طهران إلى خوض كل المعركة مباشرة
وهذه هي قيمة الوكيل البحري، إذ تستطيع إيران الضغط في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما يستطيع الحوثيون الضغط في البحر الأحمر وباب المندب، وبذلك يمكن خلق مسرح عمليات بحري مزدوج يفرض على الولايات المتحدة وحلفائها توزيع قواتهم بين الخليج والبحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي
وقد أشار تقرير حديث عن أمن البحر الأحمر إلى أن أهمية باب المندب ازدادت مع اضطراب حركة الطاقة عبر هرمز، وأن الصراع الإقليمي في 2026 رفع مستوى التوتر في اليمن والبحر الأحمر، الأمر الذي يطرح سؤالًا أكثر خطورة: هل أصبحت جماعة الحوثي جزءًا من استراتيجية بحرية إيرانية أوسع، تتجاوز حدود اليمن لتصبح أداة للضغط على النظام التجاري العالمي؟
لماذا يصبح باب المندب هدفًا استراتيجيًا؟
تكمن أهمية باب المندب في أنه ليس مجرد مضيق بحري يمني، بل عقدة استراتيجية تربط الخليج العربي وبحر العرب وخليج عدن بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط
وأي تهديد مستدام للمضيق يمكن أن يفرض على السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا سلوك طريق رأس الرجاء الصالح، بما يعني زيادة المسافة والوقت والتكلفة والتأمين واستهلاك الوقود، وهكذا يصبح السلاح الحوثي قادرًا على إنتاج تأثير اقتصادي يتجاوز بكثير حجم القوة العسكرية التي تمتلكها الجماعة.
و الأخطر أن السعودية نفسها تعتمد، في حال اضطراب هرمز، على خط أنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، لكن النفط الذي يصل إلى ينبع يحتاج بعد ذلك إلى المرور عبر منطقة باب المندب للوصول إلى الأسواق الغربية، فهل يمكن أن تتحول هذه الميزة الجغرافية السعودية إلى نقطة ضغط إيرانية مضاعفة؟
إن إغلاق هرمز لا يلغي المشكلة السعودية، بل ينقل مركز الخطر من هرمز إلى باب المندب مع استمرار التهديدات الحوثية، وهذه تحديدًا إحدى نقاط القوة في الاستراتيجية الإيرانية متعددة الجبهات، إذ تستطيع طهران تهديد مصادر الطاقة من جهة، وطرق تصديرها إلى الأسواق العالمية من جهة أخرى.
ولذا فإن الحرب المقبلة لن تكون حرب صواريخ فقط،
فالحرب التي تتشكل في المنطقة قد تكون مختلفة عن الحروب السابقة، فالصراع المقبل مع إيران وأذرعها قد يتحول إلى حرب بحرية موزعة جغرافيًا، ففي هرمز توجد إيران والحرس الثوري والصواريخ الساحلية والزوارق السريعة والألغام البحرية والمسيّرات والحرب الإلكترونية، وفي البحر الأحمر يظهر الحوثيون والصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة والزوارق والمسيّرات البحرية والتهديد بالموانئ والمنشآت الساحلية واستهداف السفن التجارية، بينما يمتد المشهد في خليج عدن والمحيط الهندي إلى حماية خطوط الملاحة ومرافقة السفن ومكافحة الألغام والمسيّرات وحماية ناقلات النفط والغاز
وبذلك قد لا تكون «الحرب البحرية القادمة» مع إيران معركة بين أسطولين تقليديين، بل حربًا مركبة بين قوة بحرية عظمى وشبكة من القدرات الساحلية والمسيّرات والوكلاء الإقليميين، فهل تستطيع حاملات الطائرات والغواصات والسفن الحربية التقليدية وحدها مواجهة هذا النوع من الحروب، أم أن طبيعة التهديد نفسها تفرض إعادة تعريف مفهوم القوة البحرية؟
هونغ كاو والحرب البحرية الجديدة
إذا قرأنا ترشيح هونغ كاو من هذه الزاوية، يصبح أكثر وضوحًا، فكاو ليس مجرد ضابط بحري سابق، بل يمتلك خبرة في الغوص والمتفجرات والعمليات الخاصة والعراق وأفغانستان، إلى جانب مجالات مرتبطة بالحرب الإلكترونية ومكافحة المسيّرات
وهذه خبرات تتوافق بصورة لافتة مع طبيعة الحرب البحرية الحديثة، فالتهديد الأكبر للبحرية الأمريكية لم يعد فقط سفينة معادية مقابل سفينة أمريكية، وإنما مسيّرة رخيصة ضد سفينة بمليارات الدولارات، ولغم بحري ضد حاملة أو ناقلة، وصاروخ ساحلي ضد ممر تجاري، وهجوم إلكتروني لتعطيل أنظمة الملاحة، ومئات الأهداف الصغيرة التي تجبر الأسطول على استنزاف صواريخ دفاعية باهظة الثمن
وهذا يفسر لماذا تحتاج البحرية الأمريكية إلى قيادة تفكر في الحرب غير المتكافئة بقدر تفكيرها في حاملات الطائرات والغواصات، وهنا تحديدًا تصبح خبرة هونغ كاو ذات قيمة استراتيجية، فهل أراد ترامب من خلال هذا الترشيح وزيرًا للبحرية يدير المؤسسة، أم قائدًا سياسيًا وعسكريًا يساعد على إعادة صياغة البحرية الأمريكية لتناسب طبيعة الحرب المقبلة؟
التحالف البحري لأمن البحر الأحمر وبداية الرد الإقليمي
في مواجهة هذا التطور، بدأت السعودية تتحرك باتجاه إنشاء إطار متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وقد أعلنت الرياض في يوليو/تموز 2026 تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات يركز على الدفاع الجماعي البحري وتبادل المعلومات والاستخبارات والتخطيط العملياتي والتدريبات والعمليات المشتركة، مع التأكيد على أن طبيعته دفاعية
وهذا التحول بالغ الأهمية، فالمعادلة لم تعد ببساطة أن الولايات المتحدة تحمي البحر الأحمر، بل بدأت تتحول إلى أن دول المنطقة نفسها تشارك في حماية أمنها البحري بالتنسيق مع القوى الدولية، وهو ما يعني ظهور طبقة أمنية إقليمية بين الأسطول الأمريكي والقوة الحوثية
والسؤال هنا: هل يمثل هذا التحالف مجرد إجراء مؤقت لمواجهة التصعيد الحوثي، أم أنه نواة لنظام أمني بحري إقليمي دائم يتولى حماية أحد أهم الممرات التجارية في العالم؟.
حلف مكة والانتقال من التعاون إلى الردع الجماعي
في السابع من أغسطس/آب 2026، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي نصت على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، مع تعزيز التعاون الدفاعي والتنسيق العسكري، ثم جاءت خطوة أكثر أهمية عندما اتفقت الدول الثلاث على إنشاء أمانة دائمة للحلف في السعودية وتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والإنتاج المشترك، بما يحول الاتفاق من إعلان سياسي إلى مؤسسة أكثر انتظامًا
وهنا تظهر أهمية التزامن الزمني، ففي الوقت الذي تستعد فيه الولايات المتحدة لإعادة تنظيم قيادتها البحرية عبر ترشيح هونغ كاو، كانت المنطقة نفسها تعيد بناء منظومة أمنية جديدة تضم البحرية الأمريكية والتحالف البحري لأمن البحر الأحمر وحلف مكة والقوى البحرية الإقليمية، فهل نحن أمام بداية تشكل منظومة أمن جماعي جديدة تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر وخليج عدن؟
تركيا وباكستان والسعودية تمثل مثلثًا جديدًا قوي الأضلاع في أمن المنطقة، ولكل دولة من دول حلف مكة مقوماتها الخاصة، فالسعودية تقدم الموقع الجغرافي والثقل الاقتصادي والنفطي والسياسي والديني، إضافة إلى امتلاكها ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر والخليج العربي، بينما تقدم تركيا قوة عسكرية كبيرة وصناعة دفاعية متقدمة وخبرة واسعة في المسيّرات والحرب الإلكترونية الحديثة، وتقدم باكستان قوة عسكرية كبيرة وخبرة بحرية وقدرة نووية معروفة، إلى جانب علاقات عسكرية تاريخية مع السعودية
وهذا لا يعني أن حلف مكة أصبح «ناتو شرق أوسطي»، فالتفاصيل العملياتية وآليات تنفيذ الالتزام الدفاعي ما تزال في طور البناء، كما أن الدول الثلاث تصفه بأنه إطار دفاعي، لكن إنشاء أمانة دائمة والتوجه نحو التصنيع والتكنولوجيا الدفاعية المشتركة يمثلان خطوة مهمة في بناء قدرة ردع جماعية، وربما يشكلان مع مرور الوقت أحد مكونات منظومة أمن إقليمية أوسع.

ماذا يعني ذلك لليمن؟
هنا تأتي أخطر نقطة في المعادلة كلها، فاليمن لم يعد مجرد ساحة للحرب الأهلية، بل جعلته جغرافيته جزءًا من الأمن البحري العالمي
فمن يسيطر على الساحل الغربي لليمن يمتلك قدرة على تهديد باب المندب، ومن يهدد باب المندب يستطيع التأثير في البحر الأحمر، ومن يؤثر في البحر الأحمر يستطيع التأثير في قناة السويس وأسواق الطاقة العالمية، ولهذا فإن استمرار سيطرة الحوثيين على مناطق واسعة من الساحل الغربي يعني بقاء ثغرة استراتيجية مفتوحة أمام إيران.
ومن هنا نجد من الضرورة تحديد الخطر من منظور الأمن البحري، ولذا فإن إنهاء التهديد الحوثي لا يتعلق بالساحة اليمنية وحدها، بل يرتبط بحماية أحد أهم الممرات التجارية في العالم، فهل يمكن أن تستمر منظومة الأمن البحري الإقليمية والدولية في حماية باب المندب بينما تبقى أجزاء من الساحل اليمني خارج سيطرة الدولة؟
هل تريد إيران فعلًا إغلاق المضيقين؟
الأرجح أن الهدف الاستراتيجي الإيراني ليس بالضرورة «الإغلاق الكامل» والدائم، فالإغلاق الكامل قد يؤدي إلى رد عسكري أمريكي وإقليمي واسع ضد إيران، أما الإغلاق الجزئي أو التهديد المستمر بالإغلاق فيمنح إيران مكاسب أكبر بكلف أقل
وقد يتمثل الهدف في رفع تكلفة الملاحة وخفض حركة السفن ورفع أسعار التأمين وإرباك أسواق الطاقة واستنزاف القوات البحرية الأمريكية وإجبار الولايات المتحدة على توزيع حاملاتها وسفنها بين عدة مسارح وخلق أزمة سياسية واقتصادية داخل الدول الغربية
وهذا ما يجعل حرب المضائق حربًا على الاقتصاد العالمي بقدر ما هي حرب عسكرية، فهل تحتاج إيران فعلًا إلى إغلاق هرمز وباب المندب حتى تحقق أهدافها، أم أن مجرد إبقاء العالم في حالة خوف دائم من الإغلاق يكفي لتحقيق جزء كبير من أهدافها؟.

معركة الاستنزاف: السلاح الرخيص ضد السفينة الباهظة
أحد أخطر تحديات البحرية الأمريكية في المرحلة القادمة هو الاقتصاد العسكري للصراع، فقد تستخدم جماعة مسلحة مسيّرة أو صاروخًا أقل تكلفة بكثير من تكلفة الصاروخ الاعتراضي الذي تستخدمه البحرية الأمريكية لإسقاطه
ومن هنا تستطيع إيران والحوثيون خوض حرب استنزاف تعتمد على مسيّرات وصواريخ رخيصة في مواجهة دفاعات بحرية باهظة، بما يؤدي إلى استنزاف مخزون الصواريخ وإنهاك السفن والبحارة وتحويل العبء العسكري إلى ضغط سياسي
وهذا يفسر لماذا أصبحت الحرب ضد المسيّرات والحرب الإلكترونية والأنظمة غير المأهولة والقدرة على اعتراض الألغام والصواريخ الساحلية عناصر أساسية في مستقبل البحرية الأمريكية، وهنا تحديدًا تصبح خبرة هونغ كاو ذات قيمة استراتيجية، لأنه يأتي إلى قيادة البحرية في وقت يتغير فيه تعريف الحرب البحرية نفسها
باب المندب قد يصبح «هرمز الثاني». 
فإذا استمرت إيران في الضغط على هرمز، واستمر الحوثيون في الضغط على باب المندب، فقد تتحول المنطقة إلى منظومة اختناق مزدوجة، يكون فيها مضيق هرمز نقطة خروج الطاقة من الخليج، بينما يصبح باب المندب نقطة دخول الطاقة والتجارة إلى البحر الأحمر وقناة السويس
وهذا السيناريو هو الأخطر على الاقتصاد العالمي، لأن تعطيل أحدهما يخلق أزمة، أما تعطيلهما معًا فيخلق صدمة جيو-اقتصادية عالمية، وتظهر البيانات الحالية بالفعل أن حركة الملاحة تراجعت في المضيقين معًا، وإن كانت مستوياتها وظروفها مختلفة
وهنا يمكن أن تصبح استراتيجية إيران أكثر تعقيدًا، فإذا كانت واشنطن مضطرة إلى تركيز جزء كبير من قوتها البحرية في هرمز، فإن الحوثيين يستطيعون رفع مستوى الضغط في باب المندب، وإذا عززت الولايات المتحدة وجودها في البحر الأحمر، تستطيع إيران زيادة التهديد في الخليج، فهل الهدف الحقيقي هو إغلاق المضيقين أم توزيع القوة الأمريكية بينهما إلى درجة تؤدي إلى استنزافها؟
من التحالفات إلى شبكة أمن بحري
ما يتشكل حاليًا قد يكون أكبر من تحالف واحد، بل أقرب إلى شبكة أمن بحري متعددة الطبقات، فالولايات المتحدة تمتلك القوة البحرية العالمية والقدرات الاستخباراتية والاستطلاع وحاملات الطائرات والغواصات، والسعودية تمتلك الموقع الجغرافي والطاقة وساحل البحر الأحمر والخليج، والتحالف البحري لأمن البحر الأحمر يركز على حماية الملاحة وتبادل المعلومات والعمليات المشتركة، بينما يوفر حلف مكة إطارًا للردع والدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان
وتأتي مصر بحكم موقعها الاستراتيجي وقناة السويس وقدرتها البحرية في قلب المعادلة اذا انظمت بشكل فعال في امن المنطقة ومواجهة التهديدات المتصاعدة، فيما تضطلع دول البحر الأحمر وخليج عدن بحماية المجال البحري القريب، ويبقى اليمن الشرعي أمام مسؤولية استعادة السيطرة على السواحل والموانئ ومكافحة التهديد الحوثي
فإذا نجحت هذه الشبكة في التكامل، فإن قدرة الحوثيين على تحويل باب المندب والبحر الأحمر إلى ورقة ضغط إيرانية ستتراجع بصورة كبيرة، أما إذا بقيت هذه الأطراف تعمل بصورة منفصلة، فقد تستطيع إيران الاستفادة من الفجوات بين هذه المنظومات، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط من يمتلك أكبر قوة بحرية، وإنما من يستطيع تنسيق هذه القوى وتحويلها إلى منظومة أمن واحدة؟
المعركة الحقيقية: من يسيطر على البحر؟
في النهاية، لا يتعلق الصراع فقط بمن يمتلك الصاروخ الأطول مدى، وإنما بمن يستطيع اكتشاف الهدف وفي المقام الأول حماية السفن وإزالة الألغام وإسقاط المسيّرات وحماية الموانئ وتأمين خطوط الطاقة وضمان استمرار حركة التجارة وتحمل حرب طويلة دون استنزاف اقتصادي وعسكري
وهذا هو السبب في أن ترشيح هونغ كاو قد يكون أكثر أهمية مما يبدو للوهلة الأولى، فالرجل الذي اختاره ترامب لقيادة البحرية الأمريكية سيجد نفسه أمام سؤال تاريخي: كيف تحافظ الولايات المتحدة على حرية الملاحة في عالم أصبحت فيه إيران و اذرعها قادرين على تهديد مضيقين من أهم مضائق العالم في الوقت نفسه؟
اليمن في قلب المعادلة
بالنسبة لليمن، فإن التطورات الحالية تحمل مفارقة تاريخية، فالجغرافيا التي جعلت اليمن ساحة للصراعات الدولية يمكن أن تجعل منه، إذا استعيدت الدولة وسيطرتها على سواحلها، شريكًا رئيسيًا في منظومة أمن البحر الأحمر
لكن استمرار سيطرة الحوثيين على أجزاء من الساحل الغربي يبقي باب المندب عرضة للاستخدام كأداة في الاستراتيجية الإيرانية، ومن هنا فإن تحرير الساحل اليمني وتأمين باب المندب لم يعد قضية يمنية داخلية فقط، بل أصبح جزءًا من الأمن البحري السعودي والعربي والدولي
وهنا يبرز سؤال أكبر: هل تستطيع القوى الإقليمية والدولية بناء منظومة أمن بحري مستدامة في البحر الأحمر من دون معالجة أصل المشكلة على الساحل اليمني؟ وهل يمكن تأمين باب المندب بصورة دائمة بينما تبقى الجماعة التي تهدده قادرة على إطلاق الصواريخ والمسيّرات من الأراضي اليمنية؟
الخلاصة: الحرب البحرية القادمة بدأت بالفعل
إن ترشيح هونغ كاو لا يعني بالضرورة أن واشنطن قررت خوض حرب بحرية شاملة مع إيران، ولا يعني أن الحرب الكبرى حتمية، لكن المؤشرات الحالية تقول إن المنطقة تدخل مرحلة يكون فيها البحر نفسه ساحة رئيسية للصراع، حيث تضغط إيران في هرمز، ويضغط الحوثيون في باب المندب، وتبني السعودية تحالفًا بحريًا لحماية البحر الأحمر، وتؤسس السعودية وتركيا وباكستان إطارًا جديدًا للردع والدفاع المشترك عبر حلف مكة، فيما تعيد الولايات المتحدة تشكيل قيادة بحريتها في ظل حرب واستنزاف بحري حقيقي
وفي قلب هذه المعادلة يقف اليمن، فإذا كان مضيق هرمز هو عنق زجاجة الطاقة العالمية، فإن باب المندب هو عنق زجاجة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا
ولهذا فإن المعركة القادمة مع إيران وأذرعها قد لا تكون حربًا لإسقاط نظام أو احتلال أرض، بل حربًا على حرية الملاحة والسيطرة على الممرات البحرية، ومن هنا فإن من ينجح في حماية مضيقي هرمز وباب المندب معًا لن يحمي سفنه فقط، بل سيحمي النظام الاقتصادي العالمي من واحدة من أخطر أدوات الابتزاز الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين
وهنا تكمن الرسالة الأهم من وصول هونغ كاو إلى قيادة البحرية الأمريكية: واشنطن تستعد لبحر أكثر خطورة، وحلفاؤها الإقليميون بدأوا يدركون أن حماية البحر الأحمر وباب المندب لم تعد مهمة أمريكية فقط، بل أصبحت مسؤولية أمنية مشتركة
أما بالنسبة لليمن، فإن الخيار أصبح أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: إما أن يكون اليمن جزءًا من منظومة أمن البحر الأحمر، مستعيدًا سيادته على سواحله ومضائقه، أو يبقى باب المندب ورقة استراتيجية في يد إيران تستخدمها كلما أرادت توسيع نطاق الصراع من الخليج إلى البحر الأحمر.

 
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني