الحوثيون يستنسخون «اقتصاد المقاومة» الإيراني لتبرير الانهيار.. «الصمود» غطاء جديد لنهب التجار وإغراق اليمنيين في الفقر

الحوثيون يستنسخون «اقتصاد المقاومة» الإيراني لتبرير الانهيار.. «الصمود» غطاء جديد لنهب التجار وإغراق اليمنيين في الفقر
مشاركة الخبر:

في واحدة من أكثر محاولاتها وضوحًا لإعادة تدوير الخطاب الإيراني، تدفع مليشيا الحوثي الإرهابية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء باتجاه خطاب اقتصادي يضع الانهيار المعيشي المتفاقم في مناطق سيطرتها ضمن ما تسميه «معركة الصمود»، متجاهلةً مسؤوليتها المباشرة عن جانب كبير من الاختلالات التي أصابت النشاط التجاري والاستثماري، وأثقلت كاهل المواطنين والتجار بسلسلة متواصلة من الضرائب والرسوم والجبايات.

وتكشف مواقف وتصريحات قيادات الجماعة خلال الفترة الأخيرة عن تبنٍّ متزايد لمفردات شبيهة بتلك التي تستخدمها السلطات الإيرانية منذ سنوات لتبرير آثار العقوبات والأزمات الاقتصادية، وفي مقدمتها الحديث عن الاعتماد على الذات، وتعزيز الإنتاج المحلي، ودعم المستثمرين، وتحويل الضغوط الخارجية إلى مبرر لتعبئة المجتمع وتحميله أعباء المواجهة.

وقال محمد الباشا، مؤسس شركة «باشا ريبورت» الاستشارية الأمنية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، إن التشابه بين الخطابين الحوثي والإيراني أصبح واضحًا بصورة متزايدة، لا سيما في تناول قضايا العقوبات والإنتاج المحلي والاستثمار والاعتماد على الموارد الذاتية.

وأشار الباشا، في تدوينة نشرها على منصة «إكس»، إلى خطاب رئيس البرلمان الخاضع لسيطرة الحوثيين، يحيى علي الراعي، خلال فعالية لإحياء الذكرى الأولى لمقتل عدد من أعضاء حكومة الجماعة جراء غارات إسرائيلية، حيث تحدث الراعي عن تدهور الأوضاع الاقتصادية،

ودعا سلطات العصابة إلى دعم التجار والمستثمرين، وتخفيف الجمارك والضرائب، وتشجيع الإنتاج المحلي، وإزالة العقبات أمام القطاع الخاص.
لكن دعوة الراعي إلى دعم الاقتصاد جاءت في سياق وصف النشاط التجاري والاقتصادي بأنه جزء من «المعركة الاقتصادية»، وهو ما يثير انتقادات واسعة، باعتباره محاولة لتحويل القطاع الخاص من محرك للنشاط الاقتصادي إلى طرف مطالب بتمويل ما تسميه العصابة «الصمود» ومواجهة خصومها.

ويرى مراقبون أن المفارقة تكمن في أن العصابة تتحدث عن دعم التجار والاستثمار في الوقت الذي يعاني فيه القطاع الخاص في مناطق سيطرتها من بيئة شديدة القسوة، نتيجة تعدد الرسوم والجبايات والتدخلات والقيود المفروضة على حركة التجارة والاستثمار، فضلًا عن حالة عدم اليقين التي تدفع رؤوس الأموال إلى الابتعاد عن الأسواق الخاضعة لسيطرتها.
وبدلًا من الاعتراف بتداعيات هذه السياسات والعمل على تخفيفها، تحاول مليشيا الحوثي، وفق منتقديها، إعادة تقديم الأزمة الاقتصادية بوصفها نتيجة حتمية لـ«الحصار» و«العدوان» و«المؤامرات الخارجية»، في خطاب يهدف إلى صرف الانتباه عن مسؤولية الجماعة عن إدارة الموارد والمؤسسات والإيرادات في المناطق التي تسيطر عليها.

ويحذر اقتصاديون من أن استخدام مفردات «الصمود الاقتصادي» في هذا السياق قد يتحول إلى غطاء سياسي لمزيد من الضغط على التجار والمستثمرين، إذ يمكن أن تصبح الدعوات إلى دعم الإنتاج المحلي والاستثمار مدخلًا لفرض التزامات مالية جديدة أو توسيع نطاق الجبايات تحت ذرائع مرتبطة بالمواجهة.

كما أن تحويل النشاط التجاري إلى «جبهة» في الصراع يهدد بإضعاف ما تبقى من القطاع الخاص، الذي يحتاج إلى بيئة مستقرة وقواعد واضحة وحماية للاستثمار، وليس إلى مطالب سياسية متزايدة أو ضغوط ترتبط بمواقف الجماعة العسكرية والسياسية.

ويشير الباشا إلى أن الظروف في إيران ومناطق سيطرة الحوثيين ليست متطابقة، إلا أن التقارب في الخطاب السياسي والاقتصادي بات أكثر وضوحًا، خصوصًا في توظيف الضغوط الخارجية لتفسير الأزمات الداخلية، والترويج للاعتماد على الذات والإنتاج المحلي باعتبارهما أدوات لمواجهة الخصوم.

ويقول مراقبون إن استنساخ هذا الخطاب لا يوفر حلًا للأزمة اليمنية، لأن الأزمة في مناطق سيطرة الحوثيين ليست مجرد نتيجة لضغوط خارجية، وإنما تتداخل فيها عوامل محلية مرتبطة بطريقة إدارة الاقتصاد والموارد، وفرض الجبايات، وإضعاف المؤسسات، وتقييد القطاع الخاص.

وتأتي هذه التطورات بينما يواجه المواطنون ضغوطًا معيشية متزايدة، في وقت يواصل فيه التجار تحمل تكاليف ورسوم متعددة ترفع كلفة النشاط التجاري، وتنعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المستهلك.

ويرى محللون أن العصابة تحاول، من خلال خطاب «المعركة الاقتصادية»، نقل الأزمة من كونها ملفًا يتطلب إصلاحًا اقتصاديًا إلى قضية تعبئة سياسية، بحيث يصبح الفشل الاقتصادي جزءًا من رواية الصراع، ويُطلب من المواطن والتاجر تحمل كلفته تحت شعار «الصمود».

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج قد يفاقم عزلة الاقتصاد المحلي، ويضعف الاستثمار، ويزيد من هروب رؤوس الأموال، في وقت يحتاج فيه اليمن إلى بيئة أعمال مستقرة قادرة على خلق الوظائف وتحريك الأسواق وتخفيف الأعباء عن السكان.
ويؤكد اقتصاديون أن إنعاش الاقتصاد لا يبدأ بزيادة الشعارات، وإنما بإزالة القيود والجبايات التي تعرقل النشاط التجاري، وتوفير بيئة آمنة للاستثمار، وتوحيد الإجراءات المالية، وضمان عدم استخدام الاقتصاد وسيلة للضغط السياسي أو تمويل الصراع.

وبهذا المعنى، فإن خطاب «الصمود الاقتصادي» الذي تروّج له مليشيا الحوثي يبدو، بحسب مراقبين، محاولة لإعادة إنتاج وصفة سياسية إيرانية للتعامل مع الأزمات: تحميل الخارج مسؤولية الانهيار، وتجميل آثار السياسات الداخلية بشعارات المواجهة، ثم مطالبة المجتمع والقطاع الخاص بدفع فاتورة «المعركة».

وفي الوقت الذي تتسع فيه معاناة اليمنيين وتتراجع فيه قدرة الأسر والتجار على تحمل مزيد من الأعباء، يواجه الحوثيون انتقادات متزايدة بسبب محاولتهم تحويل الأزمة الاقتصادية إلى أداة للتعبئة والجباية، بدل التعامل معها كأزمة معيشية تتطلب إجراءات عاجلة تخفف الضغط عن المواطنين وتحمي النشاط التجاري والاستثماري.