تحت خط البقاء .. شهادات حية من جحيم انعدام الخدمات وغلاء المعيشة في المدينة الحالمه

تحت خط البقاء .. شهادات حية من جحيم انعدام الخدمات وغلاء المعيشة في  المدينة الحالمه
مشاركة الخبر:

تتحول تفاصيل الحياة اليومية في مدينة تعز إلى رحلة شقاء متواصلة لا تنتهي، حيث تتناسل الأزمات لتطبق على أنفاس المواطنين من كل اتجاه، وكأن قدراً محتوماً كتب عليهم ارتياد سراديب المعاناة بلا هوادة.
لا تقف حدود المأساة عند عتبات غياب التيار الكهربائي الذي بات أسطورة من الماضي، بل تمتد لتطال أبسط مقومات البقاء الإنساني، من قطرة ماء صالحة للشرب تتقاذفها شبكات السوق السوداء، إلى أسطوانة غاز منزلي تتوارى عن الأنظار لتصبح حلماً عزيز المنال. 
وسط هذا الخراب الخدمي الممنهج، يغيب الأمن وتتلاشى أبسط حقوق الرعاية، لتتحول الشوارع والأحياء إلى مسارح مفتوحة لصراع مرير مع الفقر والجوع المطبق. لم يعد الموت مجرد طلقة طائشة أو قذيفة غادرة، بل بات يُمارس ببطء وبدم بارد عبر سلاح الإهمال التام، وغياب الرقابة، وتجريف ما تبقى من قدرة للمواطن على الاحتمال. 
في هذا الاستطلاع الصحفي، ننقل أصواتاً حية لأناس يتجرعون مرارة هذا الانهيار الشامل، متسائلين بحرقة موجعة عن أفق هذا النفق المظلم، وإلى متى ستظل أجسادهم وأرزاقهم وقوداً لصراعات عبثية لا تسمن ولا تغني من جوع، بينما تنهب مقدرات البلاد ويُترك الإنسان الوحيد في مواجهة مصيره البائس.

​كيف سنموت اليوم؟ أمن الجوع أم من القهر؟".
"أقسم بالله أننا نعيش في سجن كبير بلا أسوار، فالكهرباء غابت منذ سنوات، والماء ننتظره بالأشهر لنشتري الوايت بثلث راتب إن وجد، وأسعار الغاز قصة أخرى تروى بالدموع"، هكذا تبدأ أم أحمد، الأربعينية وأم لربعة أطفال، حديثها المؤلم عن واقعها المعيشي المتردي. وتضيف بحسرة بالغة: "نطبخ على الحطب أحياناً رغم دخانه الذي ملأ صدور صغارنا بالربو، وكلما ظهرت بصيص أمل كمشروع طاقة شمسية مخفض، سارعوا لقطعه ومحاربته وكأنهم يعاقبوننا لأننا نحاول فقط أن نتنفس النور. صرت أستيقظ كل صباح وأنا أتساءل: كيف سنموت اليوم؟ أمن الجوع أم من القهر؟".

​المعلم الذي تقاعد في محطة النفايات
يقول الأستاذ عبد الله سعيد، معلم متقاعد يقارب السبعين من عمره: "40 عاماً قضيتها أربي أجيال هذه المدينة، فكان جزائي أن أموت قهرًا على فراش المرض عاجزاً عن شراء حبة دواء واحدة، فراتبي الذي لا يتجاوز زهيداً لا يكفي ثمن كيس طحين إن وجد الدعم. لقد تحولت تعز إلى مدينة أموات أحياء؛ لا خدمات صحية تقي الناس شر الأوبئة، ولا أمن يحميك في الشارع، ولا حتى مسؤول يشعر بوجعنا. أصبحنا نُذبح بسكين الفقر والبطالة، وكل يوم يمر هو اقتطاع مباشر من أعمارنا المنهكة في هذا الجحيم المنسي".

​حكاية شاب يبحث عن لقمة مغمسة بالدم
يروي الشاب مهند عبده، البالغ من العمر خمسة وعشرين عاماً ويعمل بائع متجول: "تخرجت من الجامعة بمرتبة جيدة، وطرقت كل الأبواب بحثاً عن وظيفة تحفظ كرامتي، فلم أجد سوى قسوة البطالة وارتفاع الأسعار الجنوني. أخرج من بيتي صباحاً ولا أضمن إن كنت سأعود بما يسد رمق عائلتي؛ دبة الغاز فقدت، وإيجار البيت يلاحقني، والكهرباء حلم بعيد المنال. نحن جيل سُرقت أحلامه ومستقبله في مهب الريح، وكلما تحدثنا قيل لنا اصبروا، وكأن الصبر أصبح صك غفران لهم لكي يستمروا في نهبنا وقتلنا ببطء شديد".

​صرخة امرأة تواجه شبح العطش والمرض
تتحدث فاطمة الهمداني، ربة منزل في العقد الخامس، بقلب يعتصره الألم عن أزمة المياه المستحيلة قائلة: "الماء في تعز أصبح أثمن من الذهب، نضطر أحياناً لجمع مطر الشتاء أو الوقوف في طوابير طويلة منذ الفجر للحصول على جرة ماء واحدة لا تكفي الغسيل فضلاً عن الشرب. ومع انعدام المستشفيات الحكومية المجانية، بات المرض شبحاً مرعباً يخيم على بيوتنا؛ فمن لا يمتلك ثمن العلاج في العيادات الخاصة، عليه أن ينتظر الموت بصمت قاتل. لقد استرخصوا أرواحنا إلى درجة لا يمكن وصفها، وباتت مقومات الحياة كأنها رفاهية لا تستحقها البسيطة من الناس".

​سائق تاكسي يحكي قصة الوقود الملعون
يختتم الكابتن وليد العامري، سائق أجرة، شهادات المعاناة بقوله: "أعمل طوال اليوم تحت حر الشمس العارمة لأحصل على ما يسد تكاليف أسطوانة غاز أو جالون بترول تجده بالسوق السوداء بضعف سعره الحقيقي. كلما وفرنا قليلاً لتخفيف أعباء المعيشة، خرجت لنا أزمة جديدة تقضي على الأخضر واليابس. أصحاب القرار يعيشون في أبراج عيشتهم العالية، ولا يدركون كم يشعر الأب بالحرج عندما يعجز عن شراء قطعة خبز لأطفاله الباكين من الجوع. نحن لا نعيش حياة بشرية، بل نكابد معركة يومية قاسية عنوانها الوحيد: كيف نموت بكرامة؟".

​خاتمة:
تتجسد في تفاصيل هذه الشهادات الحية مأساة أمة بأكملها وجدت نفسها رهينة في أتون صراعات عبثية وعبث إداري ومالي لا يرحم. إن ما تعيشه مدينة تعز وعموم البلاد اليوم ليس مجرد تداعيات طبيعية لظروف طارئة، بل هو نتيجة حتمية لمنظومة أهملت الإنسان وجعلت من معاناته مادة رخيصة للمساومة والتربح. حين يغيب الماء والكهرباء والغاز والدواء والأمن معاً، تسقط كل شرعيات البقاء وتتساقط الأقنعة عن وجه المؤسسات التي يفترض أن تحمي المواطن لا أن تزيد من طعناته.
إن هذا الشعب الذي طال صبره وتحمل ما لا يطيقه بشر، لن يظل مجرد رقم صامت في معادلات الفناء والفقر المدقع. إن صرخات الأمهات، وأنات المرضى، وعرق العمال، وحرقة الشباب المقهور، كلها تؤكد أن طاقة الاحتمال قد بلغت ذروتها، وأن السكوت على هذا الانهيار المروع يمثل شراكة صريحة في جريمة العصر. 
يبقى السؤال المعلق في ذمة التاريخ وضمير الإنسانية: إلى متى سيبقى هذا الشعب يُذبح بسكين الإهمال والاستبداد، ووحدَه يواجه مصيره الحالك في عتمة الحياة والنسيان؟