تعز...حجب أشعة الشمس ومحاكمة كابلات الكهرباء بتهمة "مواجهة الفواتير"
في عالم الكوميديا السوداء الذي لا شيء فيه مستحيل ولا عجب يدوم، تبدو مدينة تعز وكأنها مختبر مفتوح لعبث لا يُصَدق، فبينما تقف العائلات على حافة الهاوية تحت وطأة ظروف معيشية قاسية تذيب حتى الحجارة، قرر بعض أصحاب الضمائر الحية وأصحاب رؤوس الأموال الخروج عن النص؛ فبادروا بتركيب محطات طاقة شمسية مصغرة لتوزيع الكهرباء على المواطنين بأسعار "مخفضة رأفة بالجيوب المنهكة"، في خطوة بدت وكأنها وميض أمل أبيض في عتمة سوداء حالكة.
لكن المأساة الحقيقية تبدأ هنا، إذ يبدو أن "وكالة الحفاظ على الظلام" في المدينة لم يعجبها هذا العبث بالبؤس. فجأة، وبقدرة قادر، تحولت فرق الصيانة إلى أجهزة أمنية موازية يتقدمهم "مندوب الكهرباء الرسمي" جنباً إلى جنب مع "مندوب الكهرباء التجاري"، وكأنهما ثنائي كوميدي هابط في مسرحية عبثية لم تكن مهمتهم إصلاح عطل أو ترشيد استهلاك، بل شن حملة مداهمة وقطع أسلاك "المشتركين العاصين" الذين تجرؤوا على الهروب من نار الفواتير التجارية إلى برودة الشمس المجانية.
ووسط هذا المشهد الساخر، تقف سعاد المخلافي، أم لثلاثة أطفال، حائرة أمام أسلاكها المقطوعة وهي تشهد مسرحية قطع التيار الشمسي، قائلة بمرارة: "لم يكتفوا بتركنا في ظلام دامس لأشهر، بل عندما تبرع فاعل خير بإنقاذنا بطاقة الشمس المجانية، أرسلوا لنا الأمن والكهرباء ليعيدونا إلى عصر الجاهلية. يبدو أنهم عازمون على فرض ضريبة حتى على أكسجين الهواء وأشعة الشمس".
وإن تجرأ مواطن مسكين وفتح فمه معترضاً على قطع نوره، فلا داعي للقلق؛ فالحل الأمني حاضر وفوري، حيث يُستعان بقوة أمنية مدججة لإقناع المواطن بالحسنى أو أن "الجلوس في الظلام واجب وطني"، وأن الاستنارة بالشمس تعتبر جريمة اقتصادية تعاقب عليها شريعة "التجارة لا تعرف الرحمة".
تعليقاً على هذا العبث المستشري، يقول الناشط الحقوقي عارف القباطي بسخرية لا تقل قسوة عن الواقع: "نحن أمام بدعة عالمية جديدة تسجل ببراءة اختراع تعزية؛ تحويل الشمس إلى 'عدو للوطن' ومحاربة أي مبادرة إنسانية تخفف من معاناة الناس. بدلاً من أن تقوم السلطات بدعم الطاقات المتجددة في ظل انهيار المنظومة الرسمية، نراها تتحول إلى حراسة أمنية خاصة تحمي مصالح مافيا الفواتير التجارية وتعاقب المواطن على استخدامه حقاً من حقوق الطبيعة".
من جهته، أبدى مهندس صبري، أحد العاملين في قطاع الطاقة المتجددة بالمدينة، صدمته البالغة من هذا التدخل السافر بالقول: "المفترض أن تتكاتف الجهود لتشجيع حلول الطاقة البديلة، فإذ بنا نتفاجأ بتشكيل تحالف مقدس بين موظفي الكهرباء الرسمية والتجارية، يتقدمهم الأطقم الأمنية، لمطاردة الكابلات الشمسية وكأنها خناجر تُشهر في وجه اقتصادهم. العقل البشري يقف عاجزاً أمام إصرار البعض على إبقاء المواطن محاصراً بين نار الفواتير وقهر الظلام".
إنها معادلة تعزية بامتياز: شمس سخية تعطي بلا مقابل، ومؤسسات تتقن فن حجب النور لتضمن بقاء المواطن مقيداً بفاتورة تعادل نصف مرتبه إن وجد. يبدو أن أعداء الحياة هناك لا يريدوننا أن نعيش فحسب، بل يصرون على أن ندفع ثمن الظلمة مقدماً، لتظل "شر البلية ما يضحك" العنوان الأبدي لمدينة تُحاصر حتى أشعتها الشمسية.