الساحل الغربي .. حين يصبح الصمت سؤالاً

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ما جرى في الساحل الغربي ليس مجرد انتكاسة ميدانية يمكن تسجيلها في خانة الخسائر، ثم تجاوزها ببيان مقتضب أو تصريح عابر. إنه حدث كبير يفرض، قبل أي شيء آخر، أسئلة صعبة على قيادة الشرعية والتحالف العربي، وعلى كل الأطراف التي يفترض أن تكون شريكاً في معركة استعادة الدولة.
فحين تخسر قوات تقاتل على خط مواجهة استراتيجي مواقعها، وتتراجع من مناطق ذات أهمية عسكرية وجغرافية، من دون أن يعرف الرأي العام بوضوح حجم الإسناد الذي حصلت عليه، أو أسباب غيابه، فإن الصمت الرسمي لا يعود مجرد غياب للتوضيح؛ بل يتحول، بحد ذاته، إلى سؤال.
لقد خاضت المقاومة الوطنية معركة قاسية في مواجهة هجوم حوثي واسع، بدعم وتخطيط إيراني، وبمشاركة عناصر من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، إلى جانب عشرات الألاف من المقاتلين، واستخدام مكثف للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة ومختلف أنواع الأسلحة.
وأمام هذا الهجوم، دفعت المقاومة الوطنية ثمناً باهظاً من الأرواح والتضحيات، وصمدت في ظروف ميدانية بالغة الصعوبة.
لكن السؤال الأهم اليوم ليس: كيف صمدت المقاومة؟
السؤال هو: لماذا تُركت تقاتل وحدها؟
لماذا لم تتحرك جبهات أخرى بالتزامن مع الهجوم على الساحل الغربي؟
أين كان الإسناد الجوي في اللحظات التي كانت فيها خطوط المواجهة تتعرض لضغط واسع؟
أين كانت التعزيزات البرية؟
ولماذا لم تُؤمَّن المرتفعات والمواقع التي تمثل عمقاً استراتيجياً لجبهات الساحل؟
ثم هناك السؤال الأكثر حساسية: لماذا لم تتم إعادة ترتيب القوات التي انسحبت جنوب المخا، في ذوباب ومعسكر العمري، بما يتيح تعزيز الدفاع عن باب المندب، بدلاً من اتساع نطاق الانسحاب؟
هذه ليست أسئلة للمناكفة السياسية، ولا محاولة لاستثمار ظرف عسكري لصالح خطاب إعلامي. إنها أسئلة فرضتها الوقائع على الأرض، ومن حق الرأي العام، بل من واجبه، أن يطرحها، ومن مسؤولية القيادات المعنية أن تقدم إجابات واضحة عنها.
فالحديث عن معركة استعادة الدولة لا يستقيم مع غياب الشفافية حول القرارات التي تُتخذ في لحظات الحرب الحاسمة.
واليوم، تقف قيادة الشرعية والتحالف أمام اختبار عملي لا يمكن تجاوزه بالبيانات.
فالبيانات قد تشرح، والتصريحات قد تبرر، لكن الأرض هي التي ستكشف حقيقة الموقف.
إذا بادرت القيادة إلى إعادة ترتيب المقاومة الوطنية، ودعمها، وتعويض خسائرها، وإعادة بناء قدراتها، وإعادتها إلى خطوط المواجهة، فسيكون ذلك مؤشراً عملياً على أن ما حدث كان انتكاسة ميدانية عابرة، وأن معركة مواجهة مليشيات الحوثي واستعادة الدولة لا تزال في صدارة الأولويات.
أما إذا استمر الغياب، وتراجع الدعم، وتعطلت عملية إعادة ترتيب الصفوف، ولم تعد القوات إلى مواقع المواجهة، فإن الأسئلة لن تختفي؛ بل ستتسع.
وعندها لن يعود السؤال متعلقاً بما حدث في الميدان فقط، وإنما سيصبح سؤالاً عن القرارات والحسابات التي قادت إلى ما حدث.
الساحل الغربي لا يقف اليوم أمام اختبار عسكري فحسب؛ إنه يقف أمام اختبار سياسي وعسكري وأخلاقي في آن واحد.
اختبار للقرار، واختبار للمسؤولية، واختبار لمدى جدية الأطراف التي أعلنت، طوال سنوات، التزامها بمعركة استعادة الدولة.
فالمقاومة التي صمدت تحت النار، وقدمت القتلى والجرحى، وخاضت معركة تفوق إمكاناتها، من حقها أن تعرف موقعها في المعركة الكبرى: هل هي جزء من استراتيجية وطنية متكاملة، تحظى بالإسناد والدعم حين تحتاج إليهما، أم أنها تُترك وحدها لتدفع كلفة معركة أكبر من إمكاناتها؟
الساحل الغربي لا يحتاج إلى بيانات تجميلية، ولا إلى عبارات عامة.
إنه يحتاج إلى قرار واضح على الأرض.
أما الأسئلة التي فرضتها المعركة، فلن تجيب عنها التصريحات وحدها.
ستجيب عنها القرارات التي ستُتخذ، والمواقع التي ستُستعاد، والقوات التي ستُدعَم، والأيام القادمة.