أزمة الخدمات الأساسية في عدن .. جحيم الانقطاعات وشلل الحياة اليومية
تعيش مدينة عدن منذ سنوات وسط دوامة خانقة من أزمة الخدمات الأساسية المتمثلة في انقطاعات الكهرباء الطويلة، وشح المياه، وأزمات الوقود المتكررة، وهي أزمات تفاقمت بفعل تبعات الحرب المستمرة والانهيار الاقتصادي.
لم تعد هذه الانقطاعات مجرد رفاهية مفقودة، بل تحولت إلى جدار عازل يعطل عجلة الحياة اليومية، ويقضي على أحلام أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويضع المواطن وجهًا لوجه أمام معاناة إنسانية ومعيشية قاسية تتطلب حلولًا جذرية وعاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
صراع البقاء تحت حرارة الصيف
أحمد صالح (مواطن وأب لأسرة من خمسة أفراد).. يروي أحمد بصوت يملؤه الإرهاق كيف تحولت تفاصيل حياتهم اليومية إلى معركة قاسية ضد الزمن والحرارة. يقول: "الانقطاعات المتواصلة للكهرباء، والتي قد تصل إلى ساعات طويلة مقابل ساعتين معدودة من التشغيل، تجعل الحياة داخل المنازل شبه مستحيلة، خاصة في فصل الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة العالية. الأغذية تفسد سريعًا لعدم توفر التبريد، والأطفال لا يستطيعون النوم أو المذاكرة بسلام. كما أن شح المياه يزيد الطين بلة، فنضطر لإنفاق جزء كبير من دخلنا المحدود لشراء صهاريج المياه (البوز) بأسعار باهظة تكاد تلتهم الراتب بأكمله".
خسائر فادحة تتلوها إغلاقات متكررة
ماجد ناشر (صاحب مركز تجاري وسوبر ماركت).. يتحدث ماجد عن حجم الأضرار البالغة التي تلحق بالقطاع التجاري نتيجة انقطاع التيار الكهربائي ونقص الوقود لتشغيل المولدات. يوضح قائلًا: "الاعتماد على المولدات البديلة أصبح عبئًا ماليًا لا يُطاق بسبب الارتفاع الجنوني لأسعار الديزل والبنزين، ناهيك عن أعطالها المتكررة من ضغط التشغيل. لقد تسببت هذه الأزمة في تلف كميات كبيرة من المواد الغذائية المجمدة والمبردة، مما فرض علينا خسائر فادحة دفعت العديد من زملائنا أصحاب المتاجر إلى تقليص ساعات العمل أو حتى إعلان الإفلاس والإغلاق النهائي".
صدمة توقف عجلة الإنتاج
ريم باعباد (رائدة أعمال ومصممة أزياء ومشرفة على ورشة خياطة).. تسلط ريم الضوء على تأثير الأزمة على المشاريع الناشئة التي تعتبر عصب الاقتصاد المحلي. تقول: "مشروعي الصغير يعتمد كليًا على توفر الكهرباء لتشغيل ماكينات الخياطة والتطريز الحديثة. انقطاع التيار المفاجئ يدمر الأقمشة ويعطل الطلبيات في مواعيد تسليمها للزبائن. وحين نضطر لتشغيل المولدات التجارية، ترتفع تكلفة الإنتاج بشكل كبير ولا نستطيع تحميل الزبائن هذه الزيادة لأن القدرة الشرائية منهارة أصلًا. نحن نقف اليوم على حافة الهاوية، وندعو لحماية المشاريع الصغيرة من الانهيار التام".
أثر الحرب وتداعيات الانهيار المؤسسي
الدكتور مراد العبدلي (باحث واقتصادي).. يحلل الدكتور مراد الجذور الاقتصادية والهيكلية لهذه الأزمة، مشيرًا إلى أن ما تشهده عدن هو انعكاس مباشر لطول أمد الحرب وتدمير البنية التحتية. يرى أن "استمرار غياب المؤسسات الرقابية وضعف الإيرادات العامة، إلى جانب اعتماد محطات الكهرباء على الوقود التجاري الباهظ بدلًا من الغاز أو الطاقة المتجددة، أوجد حلقة مفرغة من الفساد وسوء الإدارة. الحرب لم تدمر الحجر فحسب، بل شلت المنظومة الإدارية والخدمية وجعلت الحلول المؤقتة والترقيعية هي سيدة الموقف، مما عمق من معاناة المواطنين الاقتصادية والاجتماعية".
الحلول والمخارج الممكنة لإنقاذ المدينة
المهندس فؤاد المفلحي (خبير في قطاع الطاقة والبنية التحتية).. يضع المهندس فؤاد خارطة طريق واضحة للخروج من هذا النفق المظلم، مؤكدًا أن الحلول الفنية متوفرة وتحتاج فقط لإرادة حقيقية. يوضح: "أولًا، يجب التحول العاجل نحو استخدام الطاقة البديلة والنظيفة (الطاقة الشمسية) للمشاريع الخدمية والمؤسسات، وإعادة تأهيل محطات الكهرباء لتعتمد على الغاز المحلي بدلًا من الديزل المستورد المكلف. ثانيًا، يجب دعم قطاع المياه بمشاريع طاقة مستدامة لتشغيل الآبار. وأخيرًا، لا بد من تدخل حكومي عاجل بدعم دولي لتثبيت أسعار الوقود، ووضع خطة إسعافية شفافة لإدارة قطاع الخدمات بمنأى عن التجاذبات السياسية".
ختام:
تظل أزمة الخدمات الأساسية في عدن النزف اليومي الأبرز الذي يهدد استقرار المجتمع ويقوض فرص التعافي الاقتصادي. إن استمرار هذا الوضع دون حلول جذرية حقيقية ينذر بكارثة معيشية شاملة.
ومن هنا، فإن تضافر الجهود المحلية والدولية نحو استثمار حقيقي في البنية التحتية ومصادر الطاقة البديلة لم يعد رفاهية، بل هو طوق النجاة الوحيد لإعادة الحياة إلى طبيعتها في هذه المدينة الحيوية.