وجه الطفلة .. حين تتحدث الدموع وتصمت النخب؟

منذ 48 دقيقة
مشاركة الخبر:

في تلك اللحظة التي التقطت فيها الكاميرا وجه تلك الطفلة اليمنية في المدرجات، وهي تتشبث بعلم بلادها وتبكي بحرقة تصغر أمامها كل التفسيرات، لم تكن الشاشة تنقل مجرد مشهد عاطفي عابر في مباراة كرة قدم أو محفل جماهيري. كانت تنقل، بلغة لا تكذب، الملخص الأكثر مكثفاً ومأساوية للأزمة اليمنية برمتها.
طفلة في مقتبل العمر، تحمل وجعاً يتجاوز سنوات عمرها الغضة، وتقدم للعالم شهادة حية أصدق وأبلغ من أطنان التقارير الدبلوماسية ونشرات الأخبار اليومية. دموعها لم تكن بكاءً على فوز او خسارة كروية  أو موقف لحظي، بل كانت تفجيراً تلقائياً لحجم القهر الذي يستقر في صدور الملايين من أبناء شعب يتعاطى الأمل بالجرعات اليومية كي يستمر في معركته اليومية مع الحياة.
المشهد الذي هز مشاعر اليمينين -وعصر قلوب كل من يملك ذرة من إنسانية عبر الساحة العربية- يحمل في طياته مفارقة سياسية شديدة المرارة. هذه الدموع العفوية التي تحرك صخر الجبال، نعلم جميعاً بحس الملاحظة والواقعية أن طاولات التفاوض النفعية ولغة النخب السياسية المعزولة لن تتأثر بها كثيراً. لقادة الأحزاب، والنخب المترفعة عن آلام الشارع، وحتى أطراف الشرعية والغرقاء في حسابات المحاصصة والتموضع، أصبحت هذه المشاهد مجرد "خلفية بصريّة" لمأساة يُفضل الجميع المتاجرة بملفاتها على حلها.
لقد غابت "الدولة" بمفهومها الضامن والمستوعب لجميع أبنائها، وترك الأطفال والنساء والشباب في العراء يصارعون أدوات بقائهم بأنفسهم. الدولة ليست مقراً حكومياً ولا بياناً رسمياً، الدولة هي ذلك الكيان الذي يمنح هذه الطفلة الأمان حتى تبكي شغفاً وفرحاً لا قهراً وحسرة. حين تتقدم مشاعر الأطفال لتفضح عجز الكبار، نعلم أن الخلل ليس في جغرافيا اليمن ولا في إرادة شعبه العصي على الانكسار، بل في القيادات التي ارتضت أن تكون معركة الوطن حساباتٍ شخصية حزبيّة وضيعة.
إن الصورة ستنتهي، والعدسات ستتحول إلى مكان آخر، لكن الوجع المرتسم على وجه تلك الطفلة يظل هو الوثيقة التاريخية الأكثر إدانة لكل من أدار ظهره لليمن وشعبه. والرهان الوحيد المتبقي اليوم ليس على قاعة اجتماعات مغلقة أو اتفاقات ورقية تُولد ميتة، بل على هذا الانتماء الفطري الذي تجسد في دموع طفلة، ليؤكد أن روح اليمن المنهك لا تزال حية، تُقاوم الموت والغياب بما تبقى لديها من نبل وإصرار.
​